عن الكتاب

التحرير والتنوير

حين تقرأ لابن عاشور تحسّ أنك بين يدي عالمٍ لا يكتفي ببيان معنى الكلمة، بل يفتح لك أبواب البلاغة والنظم والمقاصد جميعًا، فيريك كيف نُسج القرآن نسجًا محكمًا لا تفاوت فيه ولا فضول. أنفق فيه صاحبه نحو أربعين سنة من عمره، يحرّر المعنى ويجلو وجوه الإعجاز، ويستخرج من كل سورةٍ غرضها الذي انتظمت حوله آياتها. جمع فيه بين ميراث الأولين من أهل اللغة والتفسير وبين نظرٍ حديثٍ في المقاصد والاجتماع، فخرج تفسيرًا فريدًا في بابه، عدّه العلماء من أنفس ما كُتب في القرن الرابع عشر. إنه «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، المعروف اختصارًا بـ«التحرير والتنوير» للإمام محمد الطاهر بن عاشور.

غلاف التحرير والتنوير
المؤلف
الإمام محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الإسلام المالكي
مولده
1296 هـ بتونس
وفاة المؤلف
1393 هـ (1973م) بتونس
النوع
تفسير كامل للقرآن الكريم
عدد أجزائه
نحو ثلاثين مجلدًا
أبرز ما يميزه
العناية بالبلاغة والنظم والمقاصد وبيان أغراض السور

من هو الإمام ابن عاشور؟

هو محمد الطاهر بن عاشور، من أسرةٍ علمية عريقة توارثت العلم والقضاء بتونس، تنتسب في أصولها إلى الأندلس. وُلد سنة 1296 هـ، ونشأ في بيتٍ يعجّ بالكتب والعلماء، وكان جدّه لأمه الوزير محمد العزيز بوعتور من رجالات الدولة، فتهيأ له من العناية بالتعليم ما لم يتهيأ لكثيرٍ من أقرانه. حفظ القرآن صغيرًا، وأتقن العربية والفرنسية، ثم التحق بجامع الزيتونة فتلقّى فيه العلوم على كبار شيوخه.

برز ابن عاشور مبكرًا، فتولى التدريس في الزيتونة وهو شاب، ثم ترقّى في المناصب العلمية حتى صار من أعلام الإصلاح في المغرب العربي. عُني بإصلاح التعليم الزيتوني ونقده لما رآه فيه من جمودٍ وتكرار، وألّف في ذلك كتابه «أليس الصبح بقريب» داعيًا إلى تجديد مناهج التعليم. وتقلّد القضاء والإفتاء على المذهب المالكي، ثم صار شيخ الإسلام المالكي وشيخ جامع الزيتونة، حتى لُقّب بالإمام الأكبر.

لم يكن ابن عاشور مفسّرًا فحسب، بل كان مجتهدًا في المقاصد ومصلحًا اجتماعيًا وأديبًا لغويًا. من أشهر مؤلفاته «مقاصد الشريعة الإسلامية» الذي جدّد به علم المقاصد وصار مرجعًا فيه، و«أصول النظام الاجتماعي في الإسلام»، وله عنايةٌ بالأدب وتحقيق دواوين العرب. وكان عضوًا في المجامع اللغوية بالقاهرة ودمشق، وتخرّج على يديه علماء أجلاء، منهم ابنه العلامة محمد الفاضل بن عاشور. توفي رحمه الله سنة 1393 هـ الموافق 1973م بتونس، بعد عمرٍ حافلٍ بالعلم والإصلاح.

دافع التأليف وعصره

كتب ابن عاشور تفسيره في زمنٍ كانت فيه الأمة تعيش صدمة الحضارة الحديثة وضغط الاستعمار على بلاد المسلمين، وكان جامع الزيتونة منارةً للعلم تتنازعها دعوات الإصلاح ودعوات الجمود. رأى الشيخ أن كتب التفسير القديمة على جلالتها قد أُشبعت شرحًا وحاشيةً، حتى صار المتأخرون عالةً على المتقدمين يكررون أقوالهم من غير تحرير، وأن القرآن ما يزال يخبّئ من لطائف النظم والبلاغة ما لم يُستوفَ بيانه.

فعزم على أن يكتب تفسيرًا يجمع فيه بين تحرير ما صحّ من أقوال السابقين وبين ما فتح الله عليه من معانٍ لم يسبقه إليها أحد، فيحرّر المعنى السديد ويُنوّر العقل الجديد. ولذلك جاء اسم الكتاب مطابقًا لمقصده: فـ«تحرير المعنى السديد» تصفيةٌ لِما نُقل، و«تنوير العقل الجديد» فتحٌ لآفاقٍ جديدة في فهم كلام الله تناسب عقل القارئ المعاصر. وقد أنفق في تأليفه نحو أربعين سنة، يكتب ويُنقّح حتى استوى تفسيرًا كاملًا للقرآن من فاتحته إلى خاتمته.

صدّر ابن عاشور تفسيره بعشر مقدماتٍ نفيسة، جعلها مفاتيح لعلم التفسير ومنهجًا يقرأ به القارئ سائر الكتاب. تكلّم فيها عن حقيقة التفسير والتأويل، وعن استمداد هذا العلم ومصادره، وعن صحة التفسير بغير المأثور، وعن أسباب النزول والقراءات وقصص القرآن وإعجازه وأسماء السور وترتيبها. فصارت هذه المقدمات وحدها كتابًا في أصول التفسير، يُرجع إليها ويُدرّس مستقلةً لنفاستها.

وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
سورة النحل

منهجه في التفسير

يقوم منهج ابن عاشور على أن القرآن نصٌّ عربيٌّ مبين، فمفتاحه الأول اللغة والبلاغة. تراه يقف عند المفردة يبيّن أصلها واشتقاقها واستعمالها في كلام العرب، ثم ينتقل إلى الجملة يكشف عن أسرار نظمها ووجوه إعجازها في المعاني والبيان والبديع. وهو في هذا وارثٌ لمدرسة عبد القاهر الجرجاني والزمخشري في العناية بالنظم، لكنه يزيد عليها بتحريرٍ ونقدٍ لا يُسلّم فيه لقولٍ حتى يزنه بميزان اللغة والذوق.

ومن أبرز ما يمتاز به عنايته ببيان «أغراض السور»؛ فهو يفتتح كل سورةٍ بمقدمةٍ يحدّد فيها مقصدها الأعظم الذي انتظمت حوله آياتها، ويبيّن المناسبة بين السور بعضها ببعض، وبين الآية والآية. فيتحول التفسير عنده من شرحٍ متفرّق للآيات إلى كشفٍ عن وحدةٍ معنويةٍ تربط السورة كلها، وهذا من أعظم ما أضافه ابن عاشور إلى فنّ التفسير. ويعتني كذلك بالمقاصد الشرعية، فيستنبط من آيات الأحكام حِكمها وعللها ومقاصد الشارع منها، متكئًا على تحقيقه في علم المقاصد.

ولا يكتفي ابن عاشور بالنقل، بل يناقش ويرجّح ويستدرك على من سبقه من المفسرين، كالزمخشري في «الكشاف»، وابن عطية في «المحرر الوجيز»، وأبي حيان في «البحر المحيط»، والآلوسي في «روح المعاني». وهو مع سعة اطلاعه على العلوم الحديثة يفيد منها في مواضع الكون والاجتماع من غير تكلّفٍ ولا إسرافٍ في تأويل الآيات على مقتضاها، فيبقى تفسيره محافظًا على أصالته، منفتحًا على عصره في اعتدال.

ما الذي يميّز التحرير والتنوير؟

أول ما يلفتك في هذا التفسير عمقه البلاغي؛ فقلّ أن تجد آيةً يمرّ عليها ابن عاشور دون أن يقف عند لطيفةٍ في نظمها أو سرٍّ في تقديمها وتأخيرها أو مناسبةٍ في فواصلها. إنه تفسيرٌ يربّي ذوق القارئ ويعلّمه كيف يتذوّق إعجاز القرآن لا كيف يحفظ معناه فحسب. ولهذا صار مرجعًا لطلاب البلاغة والدارسين لإعجاز القرآن قبل أن يكون مرجعًا للمفسّرين.

ويميّزه أيضًا استقلال شخصيته العلمية؛ فابن عاشور ليس ناقلًا يجمع الأقوال، بل محرّرٌ ينتقد ويختار ويبتكر. له آراؤه واستدراكاته التي تفرّد بها، وله في المناسبات وأغراض السور نظرٌ لم يُسبق إلى مثله في الإحاطة والدقة. تحسّ في كل صفحةٍ بحضور عقلٍ ناقدٍ لا يسلّم إلا لبرهان، مع أدبٍ جمٍّ في مخالفة الأكابر وردّ أقوالهم.

وثالثة الخصائص جمعه بين الأصالة والتجديد؛ فهو محافظٌ على منهج أهل السنة، متمسّكٌ بميراث اللغة والتفسير، ومنفتحٌ في الوقت نفسه على قضايا عصره من الاجتماع والعمران والتربية. لم يجعل القرآن كتاب علومٍ طبيعية كما تكلّف بعض المعاصرين، ولم يغلق بابه على القديم وحده، بل وقف موقف العالم المتّزن الذي يخدم النصّ بكل ما أوتي من علمٍ قديمٍ وحديث.

كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
سورة هود

أثره وطبعاته ومكانته

يُعدّ «التحرير والتنوير» من أعظم تفاسير القرن الرابع عشر الهجري وأجمعها، وقد شهد له العلماء بأنه من أنفس ما كُتب في التفسير في العصر الحديث، لا سيما في بابي البلاغة والمقاصد. صار مرجعًا لا يستغني عنه باحثٌ في إعجاز القرآن أو دارسٌ لأغراض السور والمناسبات، وأصبح حاضرًا في رسائل الجامعات وحلقات العلم في المشرق والمغرب على السواء.

وقد طُبع التفسير كاملًا في نحو ثلاثين مجلدًا، ومن أشهر طبعاته طبعة الدار التونسية للنشر، ثم توالت طبعاته وتصويراته في مصر ولبنان وغيرها حتى انتشر في المكتبات انتشارًا واسعًا. وتناوله الدارسون بالبحث والاختصار والاستخراج، فأُفردت مناهجه ولطائفه البلاغية ونظراته المقاصدية برسائل ودراسات مستقلة، دلالةً على غناه وعمقه.

ومكانة الكتاب أنه أعاد للتفسير عافيته بعد قرونٍ من الاجترار والتكرار؛ فبرهن أن باب النظر في كتاب الله لم يُغلق، وأن اللغة والبلاغة والمقاصد ما تزال تفتح للمتدبّر آفاقًا جديدة. ولهذا بقي ابن عاشور، بعد عقودٍ من وفاته، إمامًا يُرجع إليه، وتفسيره جسرًا يعبر عليه من أراد أن يجمع بين أصالة القدماء ووعي المعاصرين.

كيف تقرؤه على رحلة؟

لأن التفسير يسير على ترتيب المصحف سورةً سورة وآيةً آية، فخير طريقةٍ لقراءته أن تبدأ بمقدماته العشر لتفهم منهج المؤلف ومفاتيحه، ثم تقرأه مقرونًا بتلاوتك: اقرأ افتتاحية كل سورةٍ التي يحدّد فيها غرضها، ثم تتبّع الآيات، وقف عند لطائف النظم والبلاغة التي يشير إليها. بهذا تنتقل من مجرد فهم المعنى إلى تذوّق الإعجاز الذي يُعنى به الكتاب.

وفي القارئ هنا تجد التفسير كاملًا مرتبًا على ترتيب السور والآيات، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي سورةٍ بضغطة واحدة. ابدأ من الفاتحة وامضِ على الترتيب، أو انتقِ سورةً تحبّها لتعيش مع أغراضها ولطائفها، واقرأه كاملًا مجانًا على رحلة.

أسئلة شائعة

ما الاسم الكامل لتفسير التحرير والتنوير ومن مؤلفه؟
اسمه الكامل «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، ومؤلفه الإمام محمد الطاهر بن عاشور (1296–1393 هـ)، شيخ الإسلام المالكي وشيخ جامع الزيتونة بتونس.
ما الذي يميّز التحرير والتنوير عن غيره من التفاسير؟
يمتاز بعمقه في البلاغة والنظم، وعنايته ببيان غرض كل سورة والمناسبات بين الآيات والسور، واستنباطه لمقاصد الشريعة، مع استقلال شخصية المؤلف نقدًا وترجيحًا وابتكارًا.
كم مجلدًا يقع فيه التفسير؟
يقع «التحرير والتنوير» في نحو ثلاثين مجلدًا، صدّرها المؤلف بعشر مقدماتٍ نفيسة في أصول التفسير تُعدّ كتابًا مستقلًا في بابها.
كم استغرق ابن عاشور في تأليف تفسيره؟
أنفق ابن عاشور في تأليف التفسير نحو أربعين سنة من عمره، يكتب ويُنقّح حتى أتمّه كاملًا من فاتحة القرآن إلى خاتمته.
هل يمكن قراءة التحرير والتنوير كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، مرتبًا على ترتيب سور القرآن وآياته، مع فهرس يوصلك إلى أي سورة مباشرة.

النص الكامل بين يديك

التحرير والتنوير كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن