عن الكتاب
أرادَ محدّثٌ دمشقيٌّ من تلاميذ ابن تيمية أن يكتب تاريخ الدنيا كلّها، فلم يبدأ من دولةٍ ولا من مَلِك، بل بدأ من أول الأمر: من خلق العرش والقلم والسماوات والأرض، ثم قصص الأنبياء أمّةً بعد أمّة، حتى إذا بلغ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أفاض في سيرته، ثم مضى يؤرّخ للأمة سنةً بعد سنة إلى أيامه، ولم يقف عند حاضره بل استشرف ما هو آتٍ من الفتن والملاحم وأشراط الساعة وأهوال القيامة. جمع في كتابه بين صنعة المؤرّخ وميزان المحدّث، فلم يَسُق خبرًا إلا وهو ينظر في سنده، ولم يمرّ بإسرائيلية إلا نبّه على وهنها. هذا هو «البداية والنهاية» للحافظ ابن كثير.

هو الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، وُلد نحو سنة 701 هـ في قرية من أعمال بُصرى بحوران جنوبي دمشق، فقيل له «البُصْرَوي». تُوفّي أبوه وهو صغير، فانتقل مع أخيه إلى دمشق ونشأ في كنفها طالبًا للعلم، حتى صار أحد أعلامها، ودُفن في ثراها، فغلبت عليه نسبة «الدمشقي».
اجتمع لابن كثير من العلوم ما تفرّق في غيره: كان محدّثًا بصيرًا بالرجال والعلل، مفسّرًا، فقيهًا على مذهب الشافعي، ومؤرّخًا واسع الاطّلاع. شهد له معاصروه بالحفظ وسعة الرواية، وتصدّر للتدريس والفتوى والإقراء بدمشق، وتولّى مشيخة بعض دُور الحديث بها، حتى عُدّ من حفّاظ القرن الثامن.
ولئن اشتُهر تفسيره «تفسير القرآن العظيم» حتى صار أشهر كتب التفسير بالمأثور، فإنّ أثره في التاريخ لا يقلّ عنه شأنًا؛ فكتابه «البداية والنهاية» من أمّهات كتب التاريخ الإسلامي، وقد جمع فيه ما تعلّمه في حلقات الحديث من نقدٍ للأخبار وتمحيصٍ للرواية، فخرج تاريخًا يحمل روح المحدّث لا مجرّد قلم الإخباري.
عاش ابن كثير في دمشق المملوكية في القرن الثامن الهجري، وهو قرنٌ اجتمعت فيه شدائد الزمان، من الطواعين الجارفة وغارات التتار على أطراف الشام، مع نهضةٍ علميةٍ زاهرة جعلت دمشق محطّ الرحال في الحديث والفقه والتاريخ. وفي هذه البيئة نشأ ابن كثير وتتلمذ على كبار علمائها.
لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وتأثّر بمنهجه في تعظيم النقل الصحيح وردّ البدع، وأخذ الحديث والرجال عن الحافظ جمال الدين المزّي صاحب «تهذيب الكمال» وصار صهرًا له، ولازم الحافظ الذهبي وأفاد من علمه بالتاريخ والتراجم. من هذه المدرسة الدمشقية، مدرسة أهل الحديث والأثر، استمدّ ابن كثير منهجه في التأريخ.
أراد ابن كثير أن يكتب تاريخًا جامعًا يستوعب الزمان كلّه: بدايته حين لا خَلْق، ونهايته حين تُطوى الدنيا وتقوم الساعة. فلم يقصر كتابه على أخبار الدول والملوك كعادة كثير من المؤرّخين، بل جعله يمتدّ من عالم الغيب في أوّله إلى عالم الغيب في آخره، ويعبر بينهما بتاريخ الأنبياء والأمم ثمّ تاريخ الإسلام سنةً سنة.
من بدء الخلق وخلق العرش والقلم، إلى نور النبوة وأخبار الأمم، إلى فتن آخر الزمان وأشراطِ الساعة وأهوالِ القيامة؛ رحلةٌ في الزمان كلّه بين دفّتَي كتاب.
ينقسم الكتاب، كما يدلّ عليه اسمه، إلى شطرين متكاملين. أمّا «البداية» فيفتتحها المؤلّف ببدء الخلق: خلق العرش والكرسي والسماوات والأرض والملائكة، وقصة آدم، ثم يسوق أخبار الأنبياء والأمم السالفة أمّةً بعد أمّة، ويعرّج على أخبار العرب في الجاهلية وأنسابها، حتى ينتهي إلى المولد الشريف والسيرة النبوية التي أفاض فيها إفاضةً جعلتها من أجود ما كُتب في بابها.
ثم ينتقل إلى تاريخ الإسلام على طريقة الحوليّات، كما صنع الطبري من قبله: يذكر السنة، فيسرد ما وقع فيها من الحوادث والفتوح والولايات والحروب، ثم يختمها بتراجم من مات فيها من الخلفاء والعلماء والأعيان. فيمضي القارئ في الزمن سنةً سنة، من عصر الخلافة الراشدة إلى الأمويّين فالعبّاسيّين، حتى يبلغ عصر المؤلّف نفسه في القرن الثامن، فيقيّد أحداث زمانه التي عاصرها وشهد بعضها.
وأمّا «النهاية» فهي الشطر الذي جعله للفتن والملاحم وأشراط الساعة وما بعدها: يجمع فيه ما صحّ من أخبار آخر الزمان وخروج الدجّال ونزول عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج، ثم أهوال يوم القيامة والحشر والحساب والجنة والنار. وهذا القسم بعينه هو ما طُبع مفردًا باسم «النهاية في الفتن والملاحم».
ما يميّز «البداية والنهاية» عن كثير من كتب التاريخ أنّ صاحبه محدّثٌ قبل أن يكون مؤرّخًا، فحمل صنعته الحديثية إلى ميدان الأخبار. فهو في مسائل الغيب، بدء الخلق وقصص الأنبياء وأشراط الساعة، يعتمد أوّلًا على القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ويوازن بين الروايات، ويقدّم الثابت على الواهي، ولا يقبل كلّ ما يُنقل لمجرّد شهرته.
ومن أبرز ما اشتُهر به موقفه من الإسرائيليات، أي ما نُقل عن أهل الكتاب في أخبار الأنبياء والأمم، فهو ينبّه عليها، ويقسّمها إلى ما يُصدَّق لموافقته شرعنا، وما يُكذَّب لمخالفته، وما يُتوقَّف فيه، ويحذّر من الاسترسال معها والاعتماد عليها. بهذا التحرّي نأى بتاريخه عن الحشو والغرائب التي أثقلت بعض كتب الأخبار قبله.
أمّا في تاريخ الإسلام فقد أفاد ممّن سبقه من المؤرّخين كالطبري وابن إسحاق والواقدي وغيرهم، لكنه لا ينقل نقل المجرّد، بل يتعقّب الروايات وينبّه على الضعيف والمنكر منها ما استطاع، ويصدر عن نظرٍ في العلل والرجال. فاجتمع للكتاب بذلك جمعٌ بين سعة المادّة التاريخية ودقّة النقد الحديثي، وهو ما رفع منزلته بين أهل العلم.
تلقّى العلماء «البداية والنهاية» بالقبول، وعدّوه من أنفع كتب التاريخ العام وأكثرها عنايةً بالتمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها، فصار مرجعًا للمؤرّخين والباحثين في السيرة والفتوح والتراجم، ومصدرًا يُرجَع إليه في أخبار القرون التي عاصرها المؤلّف أو قاربها.
ولنفاسة أبوابه اختير بعضها فطُبع مستقلًّا؛ فقسم السيرة النبوية منه جُمع وطُبع باسم «السيرة النبوية لابن كثير»، وعُني به المحقّقون لجودته وسعة نقوله، وقسم الفتن والملاحم وأشراط الساعة طُبع باسم «النهاية في الفتن والملاحم». وبهذا صار الكتاب أصلًا تتفرّع منه كتبٌ يقرؤها الناس على حِدَة.
وقد خُدم الكتاب بطبعاتٍ وتحقيقاتٍ عديدة؛ فطُبع بدار الفكر بدمشق في نحو أربعة عشر مجلدًا وشاع تداوله، ومن أوسع تحقيقاته وأتقنها تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الصادر عن دار هجر في أكثر من عشرين مجلدًا، مع العناية بضبط النصّ وعزو الأخبار وتخريجها. وما زال الكتاب حاضرًا في المكتبات والمناهج ومجالس طلبة العلم إلى اليوم.
لست مضطرًّا لأن تقرأه من بدء الخلق إلى قيام الساعة على التوالي؛ افتح الفهرس واختر ما تشتهي نفسك: اقرأ قصة نبيٍّ تحبّ أن تعرف خبره كما ثبت في الشرع، أو عِش سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قسمها المفرد، أو انتقل إلى سنةٍ بعينها لتقف على ما جرى فيها من فتحٍ أو فتنة ومن مات فيها من الأعلام، أو اقرأ باب الفتن وأشراط الساعة إن شغلك أمر آخر الزمان.
وفي القارئ هنا تجد نصّ «البداية والنهاية» كاملًا مرتّبًا كما وضعه ابن كثير، مع فهرس يوصلك إلى أيّ قسمٍ أو سنةٍ أو ترجمةٍ بضغطة واحدة. اجعله رفيقًا لمن أراد أن يقرأ التاريخ بعين المحدّث لا بعين القاصّ، مجانًا وبلا حواجز، على رحلة.
النص الكامل بين يديك
البداية والنهاية كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله بن عبد الله الشافعي
1294 فصلاً

أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني
4390 فصلاً

أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
33 فصلاً

أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
228 فصلاً