عن الكتاب
رجلٌ خرج من السجن بعد سنواتٍ طويلة قضاها لسرقته رغيف خبز، فوجد أبواب الناس موصدةً في وجهه، حتى فتح له أسقفٌ بابه وقلبه فقلب حياته رأسًا على عقب. من هذه اللحظة الصغيرة يتفجّر نهرٌ عظيم من الأحداث: مطاردةٌ لا تهدأ، وطفلةٌ يتيمة يحملها البطل أمانةً في عنقه، ومدينةٌ تغلي على أبواب ثورة. إنها ملحمةٌ عن الفقر والعدالة والرحمة، رسمها فيكتور هوغو على مساحة أمّةٍ بأكملها، وخلّدها القُرّاء باسمٍ صار عنوانًا لكل مظلومٍ في الأرض: «البؤساء».

تدور «البؤساء» في فرنسا مطلع القرن التاسع عشر، وتتّبع مصير «جان فالجان»؛ رجلٍ بسيطٍ قضى نحو تسعة عشر عامًا في السجن لسرقته رغيف خبزٍ يُطعم به أطفال أخته الجياع، ثم لمحاولاته المتكرّرة للفرار. يخرج من سجنه رجلًا مكسورًا يحمل وصمةً تلاحقه أينما حلّ، حتى يلقاه أسقفٌ رحيمٌ يعامله بلطفٍ يقلب موازينه، فيقرّر أن يبدأ حياةً جديدةً تحت اسمٍ آخر، ويصير رجلًا محسنًا يبني الناس من حوله.
لكنّ ماضيه لا يتركه؛ إذ يطارده المفتّش «جافير» الذي يجسّد صرامة القانون التي لا تعرف الرحمة ولا الاستثناء. وفي طريق فالجان تتقاطع مصائر شخصياتٍ لا تُنسى: الأمّ المنكوبة «فانتين» التي تضحّي بكل شيءٍ من أجل ابنتها، والطفلة «كوزيت» التي يتبنّاها فالجان أمانةً في عنقه، والشابّ الثائر «ماريوس»، وعائلة «تينارديه» الجشعة، وصبيّ الشوارع «جافروش».
وكلما اتّسعت الرواية اتّسع أفقها، حتى تبلغ ذروتها على متاريس باريس في انتفاضة عام 1832، حيث تتشابك القصص الفردية بمصير أمّةٍ تبحث عن العدل. ومن غير أن نكشف خواتيم الأبطال، يكفي أن نقول إن الرواية رحلةٌ في أعماق النفس الإنسانية بقدر ما هي رحلةٌ في تاريخ فرنسا.
فيكتور هوغو (1802 – 1885) أعظم أعلام الأدب الفرنسي وأوسعهم شهرة، وشاعرٌ وروائيٌّ ومسرحيٌّ تصدّر الحركة الرومانسية في بلاده. جمع بين موهبةٍ أدبيةٍ نادرة وحضورٍ سياسيٍّ وإنسانيٍّ جعله ضمير عصره، فدافع عن الفقراء والمظلومين، وناهض عقوبة الإعدام، ونفي سنواتٍ طويلة بسبب مواقفه.
قبل «البؤساء» كان قد أثبت مكانته برواية «أحدب نوتردام»، لكنّ «البؤساء» ظلّت أضخم مشاريعه وأعمقها؛ عملٌ حمله في وجدانه عقودًا حتى أخرجه للناس عام 1862 وهو في منفاه. وحين مات هوغو شيّعته فرنسا في جنازةٍ مهيبةٍ حاشدة، ودُفن في «البانثيون» بين عظماء الأمة، اعترافًا بأنه لم يكن كاتبًا فحسب، بل صوتًا لأمّةٍ بأكملها.
في قلب «البؤساء» سؤالٌ لا يشيخ: هل يستطيع الإنسان أن يتغيّر؟ فرحلة جان فالجان كلها امتحانٌ لفكرة الخلاص؛ رجلٌ صنعه القسوة سجينًا حاقدًا، ثم صنعته الرحمة إنسانًا جديدًا. وفي مقابله يقف جافير رمزًا للعدالة الجامدة التي ترى القانون فوق الرحمة، فيتحوّل الصراع بينهما إلى مواجهةٍ بين وجهين للعدل: عدل النصّ الصارم، وعدل القلب الرحيم.
وتحت هذا كله تجري القضية التي عناها هوغو أوّلًا: البؤس نفسه. فالرواية صرخةٌ في وجه فقرٍ يدفع الرجل إلى السرقة، والمرأة إلى المهانة، والطفل إلى التشرّد. أراد هوغو أن يقول إن هؤلاء «البؤساء» ليسوا مجرمين بالفطرة، بل ضحايا نظامٍ اجتماعيٍّ ظالمٍ يصنع جريمتهم ثم يعاقبهم عليها.
ومع ذلك، تبقى الرواية مفعمةً بالأمل؛ إذ ترى فيها أن فعلًا واحدًا من الرحمة قد يكفي لإنقاذ روح، وأن الحبّ والتضحية أقوى في النهاية من كل القيود. هذا المزيج من قسوة الواقع ونبل الروح هو ما جعل الكتاب يلامس قلوب الأجيال على اختلاف لغاتها.
حين صدرت «البؤساء» عام 1862 حقّقت نجاحًا شعبيًّا هائلًا ونُقلت إلى لغاتٍ عدّة في وقتٍ قصير، وتلقّفها القرّاء في مختلف الطبقات. سرّ ذلك أن هوغو لم يكتب قصةً فردية، بل رسم لوحةً بانورامية لمجتمعٍ كامل: من قاع الفقر إلى صالونات النبلاء، ومن أديرة الرهبان إلى مجاري باريس، ومن ساحات المعارك إلى متاريس الثورة.
وقد مزج هوغو بين حبكةٍ آسرةٍ تشدّ القارئ، واستطراداتٍ فكريةٍ وتاريخيةٍ يتوقّف فيها ليتأمّل معركة واترلو أو حياة الأديرة أو لغة الشوارع. هذا الطموح الموسوعي جعل الرواية ضخمةً في حجمها عميقةً في مادّتها، عملًا يجمع بين متعة السرد وثقل الفكرة، فاستحقّ أن يُعدّ من أعظم روايات القرن التاسع عشر.
لكنّ سرّ خلودها الأعمق أنها تخاطب شعورًا إنسانيًّا عابرًا للزمان: الإحساس بالظلم والحنين إلى العدل والرحمة. ولهذا ظلّ اسم «البؤساء» حاضرًا في الوجدان العالمي حتى صار عنوانًا رمزيًّا لكل من سحقتهم الحياة وطلبوا الإنصاف.
قليلةٌ هي الروايات التي أُعيد تقديمها للناس مثلما أُعيد تقديم «البؤساء»؛ فقد اقتُبست مرارًا في السينما والمسرح والتلفزيون على مدى أكثر من قرن. ولعلّ أشهر تجلّياتها الحديثة المسرحية الغنائية الشهيرة المأخوذة عنها، التي صارت من أطول العروض عرضًا وأوسعها انتشارًا حول العالم، فضلًا عن أفلامٍ سينمائيةٍ عالميةٍ عادت بالقصة إلى الأجيال الجديدة.
أما في العالم العربي فقد عرفت الرواية حضورًا مبكّرًا ومتجدّدًا؛ ومن أشهر ما عُرّبت به صياغةُ شاعر النيل حافظ إبراهيم التي حملت العنوان نفسه «البؤساء»، وأسهمت في تعريف القارئ العربي بروح العمل وقضاياه. وتوالت بعدها الترجمات والطبعات حتى صارت من أكثر الروايات الأجنبية رسوخًا في المكتبة العربية.
وهكذا تجاوزت «البؤساء» حدود اللغة والزمان، فلم تعد عملًا فرنسيًّا فحسب، بل ميراثًا إنسانيًّا مشتركًا يتناقله القرّاء جيلًا بعد جيل.
هذه الرواية لمن يحبّ الأدب الكبير الذي لا يكتفي بالتسلية، بل يحرّك القلب ويثير الأسئلة. من يبحث عن قصةٍ آسرةٍ ممتدةٍ يعيش فيها مع أبطالها ويحمل همومهم، ومن يهوى الروايات الكلاسيكية التي تجمع بين الحدث المشوّق والعمق الإنساني، سيجد في «البؤساء» عملًا يستحقّ الصبر على طوله.
ورغم ضخامتها فإنها ليست رواية نخبةٍ منغلقة؛ فلغتها العاطفية وشخصياتها القريبة تجعلها في متناول كل قارئٍ صبور، شابًّا كان أم كهلًا. ومن قرأها مرّةً نادرًا ما ينساها؛ إذ تظلّ صورة جان فالجان وفانتين وكوزيت وجافروش عالقةً في الذاكرة بوصفها وجوهًا لبؤس الإنسان ونُبله معًا.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون