عن الكتاب
في القرن العاشر الهجري، حين كانت دمشق ونابلس ونجدٌ معاقلَ المذهب الحنبلي بعد أن تقادم به العهد وتكاثرت كتبه ورواياته، نهض إمامٌ من أهل الصالحية بدمشق ليجمع شتات المذهب في سِفرٍ واحدٍ محرَّرٍ يُغني طالب العلم عن التطواف بين المطوّلات. لم يكتفِ صاحبنا بمتنٍ واحد، بل ترك للمذهب متنَين صارا من عُمَده: مختصرًا صغيرًا يحفظه المبتدئ، وجامعًا كبيرًا يرجع إليه المفتي والمنتهي. عكف عليه علماء الحنابلة من بعده يشرحونه ويعتمدونه حتى غدا أحد ركنَي المعتمد في المذهب المتأخر، فلا تكاد تُذكر الفتوى الحنبلية إلا وله فيها أثر. هذا هو كتاب «الإقناع لطالب الانتفاع» للإمام شرف الدين أبي النجا موسى الحجاوي المقدسي.

هو الإمام العلّامة شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، نسبةً إلى «حَجّة» من قرى نابلس بأرض فلسطين، ثم استقرّ بالصالحية بدمشق فنُسب إليها. نشأ في القرن العاشر الهجري حين كانت بلاد الشام حاضنةً لعلماء الحنابلة، فأقبل على الفقه وأصوله يحفظ ويقرأ ويحرّر، حتى برز فيه وتصدّر للتدريس والإفتاء وصار شيخ الحنابلة ومفتيهم بدمشق في زمانه.
كان الحجاوي من المعتنين بتحرير المذهب وتقريبه؛ لا يكتفي بجمع المسائل بل يعتني بتمييز المعتمد من الأقوال وترتيبها ترتيبًا يُيسّر على الطالب حفظها ومراجعتها. وقد جمع بين سعة الاطّلاع على كتب المتقدّمين ودقّة النظر في ترجيحات المتأخرين، فجاء تصنيفه ثمرةً لهذه المِلَكة الجامعة بين الرواية والدراية.
ومن أعجب ما يُذكر في سيرته العلمية أنه ترك للمذهب متنَين صار كلٌّ منهما عمدةً في بابه: «زاد المستقنع» الذي اختصره من «المقنع» لابن قدامة فصار متنًا صغيرًا يبدأ به المبتدئ ويُعوّل عليه في الحفظ، و«الإقناع» الكبير الجامع الذي يرجع إليه المفتي والمنتهي. وقلّ أن يجتمع لمصنّفٍ واحدٍ متنان يشتهران هذا الاشتهار ويُشرحان هذه الشروح، ما يشهد لصاحبنا بعلوّ الكعب ورسوخ القدم في صناعة الفقه. توفّي رحمه الله سنة ثمانٍ وستين وتسعمائة بدمشق.
جاء «الإقناع» في زمنٍ تقادم فيه عهد المذهب الحنبلي وتكاثرت مصنّفاته؛ فمن «المقنع» و«المحرّر» و«الفروع» إلى «الرعايتين» وغيرها من الكتب التي تفرّقت فيها المسائل وتعدّدت فيها الروايات والأوجه، حتى أعوز طالبَ العلم كتابٌ واحدٌ يجمع له معتمد المذهب مستوعبًا محرَّرًا. فانتدب الحجاوي لهذه الغاية، فصنّف كتابه ليكون جامعًا لِما تفرّق، مقرِّبًا لِما تباعد، مقتصرًا على ما استقرّ عليه العمل والفتوى عند محقّقي الأصحاب.
وكان ذلك في العصر العثماني حين كانت دمشق مركزًا من مراكز العلم يقصده الطلاب وتُعقد فيه حلق الفقه والحديث، وكان الحنابلة فيها ذوي مدرسةٍ راسخة لها شيوخها ومفتوها. فوجد الحجاوي في هذه البيئة ما يعينه على مشروعه؛ فأخرج كتابًا يمثّل خلاصة المذهب في طوره المتأخّر، بعد أن نضجت ترجيحاته واستقرّت أقواله المعتمدة على أيدي المحقّقين قبله.
ولم يكن قصد المؤلف الاستطراد في الأدلة والخلاف، بل تحرير المسائل وحصر المعتمد؛ فجاء الكتاب متنًا فقهيًّا مبسوطًا في مسائله، مختصرًا في عرضه، يقدّم للقارئ حكم المذهب في النازلة من غير إثقالٍ بالمناقشات، ليكون عُمدةً للإفتاء ومرجعًا في التحرير.
سار الحجاوي في «الإقناع» على ترتيب كتب الفقه المعهود؛ فبدأ بالعبادات من الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم أتبعها بالمعاملات من البيوع والإجارات وسائر العقود، ثم المناكحات من النكاح والطلاق وما يتّصل بها، ثم الجنايات والحدود والأقضية والشهادات وما إلى ذلك، حتى استوعب أبواب الفقه من أوّلها إلى آخرها في نسقٍ واحد.
وطريقته أن يورد المسألة بحكمها المعتمد في المذهب من غير إطالةٍ في التعليل ولا استقصاءٍ للخلاف في الغالب، فيجيء النصّ محرَّرًا مركَّزًا يمشي بالقارئ مسألةً مسألة. وقد عُني بالاستيعاب عنايةً بالغة حتى ضمّ الكتابُ من فروع المذهب ونوازله جملةً كبيرة، فصار كالموسوعة المختصرة التي يجد فيها الباحث حكم النازلة على قول الأصحاب.
ولأن غاية المؤلف كانت جمع المعتمد على وجه الاختصار، فقد وقع في الكتاب من التحرير الدقيق ما جعله مرجعًا، كما وقع فيه ما استدركه عليه الشرّاح من بعده وحرّروه؛ إذ كان جمعه من كتبٍ كثيرة مظنّةً لأن يُنبَّه على مواضع منه، وهو أمرٌ لا يغُضّ من قدر الكتاب بل يشهد لسعة ما استوعبه وجلالة ما تصدّى له.
ترقّى «الإقناع» في المذهب الحنبلي حتى صار أحد المتنَين اللذين عليهما مدار المعتمد في طور المذهب المتأخّر؛ فهو والصنو له «منتهى الإرادات» لتقي الدين ابن النجار الفتوحي، صارا العمدة التي يُرجع إليها في تحرير قول الأصحاب. وقد جرى المحقّقون على أن ما اتّفق عليه هذان المتنان فهو المعتمد في المذهب، وما اختلفا فيه فله عند علماء المذهب تفصيلٌ معروف في الترجيح.
وممّا زاد الكتابين رسوخًا أن العلامة منصور بن يونس البهوتي، محرّر المذهب في عصره، تولّى شرحهما جميعًا؛ فشرح «الإقناع» في «كشاف القناع»، وشرح «المنتهى» في «دقائق أولي النهى». ثم جاء العلامة مرعي الكرمي فجمع بين المتنين في متنه «غاية المنتهى»، فاجتمع للمذهب من هذه المصنّفات نظامٌ متكامل يُبنى عليه في التعليم والإفتاء.
وبهذا المقام لم يعُد «الإقناع» كتابًا من كتب المذهب فحسب، بل غدا أصلًا من أصول الفتوى عند الحنابلة المتأخّرين، يعوّل عليه الطالب في تحرير المسألة، ويرجع إليه المفتي في معرفة ما استقرّ عليه العمل، فحقّق بذلك ما رجاه مؤلّفه من نفع طالب الانتفاع.
ما اتّفق عليه «الإقناع» و«المنتهى» فهو المعتمد في المذهب.
أشهر شروح «الإقناع» وأجلّها «كشاف القناع عن متن الإقناع» للعلامة منصور البهوتي، وهو من أوسع كتب المذهب وأعظمها نفعًا؛ بسط فيه الشارح مسائل المتن وأقام عليها الأدلة وحرّر أقوال الأصحاب، حتى صار «الكشاف» بمنزلة الموسوعة المعتمدة في الفقه الحنبلي، يرجع إليه العلماء والمفتون والباحثون. وقد نبّه فيه البهوتي على مواضع في «الإقناع» رأى تحريرها أو تصويبها، فجاء الشرح تمامًا للمتن وتحقيقًا لِما فيه.
ولمّا كان المتن أصلًا لهذا الشرح الكبير، تلازم ذكرهما عند أهل المذهب؛ فقلّ أن يُذكر «الإقناع» إلا و«كشاف القناع» معه، حتى صار الطالب يقرأ المتن ثم يعود إلى شرحه ليجد الدليل والتفصيل. وقد طُبع «الإقناع» وتداولته أيدي طلبة العلم، ونُشر مضبوطًا محقَّقًا في مجلدات، كما طُبع مبثوثًا في ثنايا «كشاف القناع».
وبهذا الأثر المتّصل بقي «الإقناع» حاضرًا في الدرس الفقهي الحنبلي قرونًا متطاولة؛ يُدرَّس ويُحفظ ويُعتمد، ويستفيد منه المتخصّص في المذهب كما يستفيد منه الباحث في مناهج تحرير المذاهب وجمع معتمدها عند المتأخّرين.
يمكنك أن تقرأ «الإقناع» هنا على ترتيب مؤلّفه، فتبدأ من كتاب الطهارة والصلاة وتتدرّج في أبواب العبادات، ثم تنتقل إلى المعاملات والمناكحات والجنايات وسائر الأبواب. وبما أن المتن يعرض المعتمد مركَّزًا من غير إطالة، فاقرأه قراءة المتفهّم الذي يقف عند كل مسألةٍ ليتبيّن حكمها، ثم يعود إليها عند الحاجة، فهو كتابٌ يُقرأ للمراجعة والتحرير كما يُقرأ للتحصيل.
ومن أراد الاستزادة فليقرن المتن بشرحه «كشاف القناع» ليجد الدليل والتفصيل ومناقشة الأقوال. والنصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك، واقرأ في متنٍ صار أحد عُمَد المذهب الحنبلي ومرجعًا في تحرير معتمده.
النص الكامل بين يديك
الإقناع كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن