عن الكتاب

الإصابة في تمييز الصحابة

لمّا شاء الله أن يُحفَظ للأمّة سِجلُّ جيلها الأوّل الذي رأى النبيَّ ﷺ وحمل عنه الدين، قيّض لذلك في أواخر عصر المماليك حافظًا لم تُنجِب مصرُ في زمانه مثله؛ فجمع ما تفرّق في كتب من سبقه عن الصحابة، ونخل أسماءهم نخلًا، وميّز من ثبتت صحبتُه ممّن أُقحِم في عدادهم غلطًا ووهمًا. رتّبهم على حروف المعجم، وقسّم كلَّ حرفٍ أقسامًا تفصل الصحابيَّ الحقَّ من المخضرمِ ومن الطفلِ الذي وُلد في زمنه ومن دُسَّ في القوم خطأً. وطبّق على ذلك كلِّه صناعته في نقد الرجال وتمحيص الأسانيد، حتى صار كتابه ميزانًا لا يُستغنى عنه في هذا الباب. هذا هو كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة» للحافظ ابن حجر العسقلاني.

غلاف الإصابة في تمييز الصحابة
المؤلف
الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل (773–852 هـ)
سنة الوفاة
852 هـ بالقاهرة
النوع والعلم
معجمٌ جامعٌ في تراجم الصحابة ومعرفتهم
الترتيب
على حروف المعجم، وكلُّ حرفٍ مقسَّمٌ إلى أربعة أقسام
عدد التراجم
أكثر من اثني عشر ألف ترجمة للصحابة ومن أُلحِق بهم
المكانة والطبعات
خاتمة كتب معرفة الصحابة وأجمعها؛ طُبع ببولاق ثم في طبعاتٍ محقَّقةٍ نحو ثمانية مجلدات

من هو الحافظ ابن حجر العسقلاني؟

هو الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، المعروف بابن حجر، وُلد بالقاهرة سنة ثلاثٍ وسبعين وسبعمائة، ونشأ يتيمًا في كنف الرعاية والعلم، فحفظ القرآن صغيرًا ثم أقبل على الحديث وعلومه إقبال العاشق، ورحل في طلبه إلى الحجاز والشام واليمن وغيرها، حتى انتهت إليه رئاسة الحديث في عصره فلُقّب بـ«حافظ العصر» و«أمير المؤمنين في الحديث»، وتولّى القضاء الشافعيَّ بالديار المصرية غير مرّة.

ولابن حجر مصنّفاتٌ سارت بها الرُّكبان وصارت عُمدةً لأهل العلم من بعده؛ في مقدّمتها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» الذي لا يستغني عنه طالب حديث، و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» و«لسان الميزان» في الرجال، و«نخبة الفِكَر» في مصطلح الحديث، و«بلوغ المرام» في أحاديث الأحكام، و«الدرر الكامنة» في أعيان المئة الثامنة. وهذه الملَكة الراسخة في نقد الرجال والجرح والتعديل هي عينُ ما احتاجه ليصنع كتابًا في معرفة الصحابة على أتمّ وجه.

اجتمع لابن حجر ما تفرّق في غيره: سعةُ الحفظ، ودقّةُ النقد، وحسنُ التصنيف، وطولُ النَّفَس في التحرير، حتى عُدّ خاتمةَ الحفّاظ المبرِّزين. وقد توفّي بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، فشيّعه خلقٌ عظيم، وبقيت كتبه حيّةً بين أيدي الناس تُقرأ وتُدرَّس وتُطبع إلى يومنا، وعلى رأسها هذا السِّفر الجليل في الصحابة.

قصّة التأليف وعلمُ معرفة الصحابة

كانت «معرفة الصحابة» علمًا قائمًا بذاته عُني به المحدّثون منذ القرون الأولى، لأن ضبط أسماء من رأى النبيَّ ﷺ وحمل عنه الدين هو أساس تمييز الرواية المتّصلة من المنقطعة، وبه يُعرف صدرُ الإسناد. فصنّف فيه أئمةٌ كبار قبل ابن حجر كتبًا معتبرة، منها «معرفة الصحابة» لأبي نعيم الأصبهاني، و«الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البرّ، و«أُسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير، وما كُتب من ذيولٍ واستدراكات على هذه المصنّفات.

غير أنّ هذه الكتب على جلالتها لم تخلُ من ثغرات؛ فبعضها فاته أسماءٌ كثيرة، وبعضها أدخل في الصحابة من ليس منهم اتّكالًا على أخبارٍ واهية، وبعضها قصّر في نقد الأسانيد والتمييز بين الثابت والمردود. فنهض ابن حجر لجمع ما تفرّق، واستدراك ما فات، وتنقية ما دخل، فجاء كتابه في أواخر عصر المماليك ثمرةَ عصرٍ ازدهرت فيه الموسوعات الكبرى والجمعُ والتحرير، وثمرةَ حافظٍ صرف فيه سنينَ من عمره حتى صار من أواخر أعماله الكبار.

وفي كلمة «تمييز» من العنوان يكمن سرُّ الكتاب وغايته؛ فليس مقصوده مجرّد سرد الأسماء، بل فرزُ الصحابيّ الحقّ من غيره، وردُّ من أُلحق بالقوم غلطًا إلى موضعه الصحيح. بهذه الكلمة ارتفع «الإصابة» من كونه جمعًا للتراجم إلى كونه ميزانًا نقديًّا، جعله المرجع الذي يُحتكم إليه عند الاختلاف في صحبة أحد أو نفيها عنه.

الصحابيُّ مَن لقي النبيَّ ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
ابن حجر في تعريف الصحابيّ بمقدّمة الإصابة

منهج الترتيب والأقسام الأربعة

رتّب ابن حجر كتابه على حروف المعجم، فجعل الأسماء مبوّبةً على الألف والباء والتاء وسائر الحروف، يقدّم الرجال ثم يُتبعهم بالنساء، ويُلحق بذلك أبواب الكُنى والأنساب والمُبهَمات، حتى يسهل على الباحث أن يهتدي إلى ترجمة من يطلبه في يُسر. وبهذا الترتيب المعجميّ صار الكتاب أشبه بمعجمٍ جامعٍ يُقصد للمراجعة كما يُقرأ للاستفادة.

وأبدعُ ما في المنهج أنّه قسّم كلَّ حرفٍ إلى أربعة أقسام تفصل مراتب من يُذكرون في الصحابة: فجعل القسم الأوّل لمن ثبتت صحبته بطريقٍ يُعتمد عليها، من رأى النبيَّ ﷺ مؤمنًا به وهم جمهور الكتاب. ثم عقد القسمين التاليين لطائفتين عاشتا زمنه ولم يثبت لهما لقاؤه على وجهٍ بيّن: المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ومن وُلد في حياته ﷺ من الأطفال. وختم كلَّ حرفٍ بالقسم الرابع، وهو لبُّ التسمية: من ذُكر في كتب الصحابة غلطًا أو وهمًا، فنبّه على خطأ من عدّهم منهم وبيّن الصواب فيهم.

وقد بنى هذا التقسيم على تعريفٍ محرَّرٍ للصحابيّ صدّر به كتابه، هو من أدقّ ما قيل في الباب وأشهره؛ إذ حدّ الصحابيَّ بأنه من لقي النبيَّ ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، فأدخل بذلك من طالت مجالسته ومن قصُرت، ومن روى عنه ومن لم يرو، ومن غزا معه ومن لم يغزُ، ومن رآه ولو لم يجالسه. وبهذا الضابط الجامع المانع استقام له فرزُ الأقسام، فعُرف بمقتضاه من يدخل في الصحبة حقيقةً ومن يُنفى عنها.

ما يميّزه: الجمعُ مع النقد

لم يكن ابن حجر ناقلًا يجمع ما في الكتب على علّاته، بل ناقدًا يزن كلَّ اسمٍ بميزان الرواية؛ فكان يصدّر كثيرًا من التراجم بالإشارة إلى من أخرج الخبرَ في الصحابيّ من الأئمة المتقدّمين، ثم يسوق ما وقف عليه من أخباره، ويحكم على أسانيدها صحّةً وضعفًا، ويرجّح بين الأقوال المتعارضة في صحبته أو نسبه أو وفاته. فاجتمع في الكتاب ما نَدَر اجتماعُه: سعةُ الاستقصاء ودقّةُ التمحيص معًا.

وبهذا المنهج استدرك على من قبله كثيرًا؛ فأضاف أسماءً فاتتهم بعد أن ظفر بها في دواوين الحديث والتاريخ والمغازي، ونبّه على أسماءٍ أُدخلت في الصحابة وهي من التابعين أو ممّن لا وجود له أصلًا، وجمع في الترجمة الواحدة ما تفرّق في مصادر شتّى فحرّره وهذّبه. فصار الكتاب لا يجمع بين دفّتيه الأسماءَ فحسب، بل تاريخَ نقدها وتحقيقها.

ولأجل هذا الاستقصاء بلغت تراجمه عددًا ضخمًا يزيد على اثني عشر ألف ترجمة بين صحابيٍّ ثابتٍ ومخضرمٍ وطفلٍ ومن أُلحق بهم وهمًا، فكان أوسعَ ما صُنّف في هذا الباب وأجمعَه. ومع هذه السعة حافظ على وحدة المنهج من أوّله إلى آخره، فلم تتفكّك أقسامه ولم تختلط مراتبه، وهو من أوضح الأدلّة على تمكّن مؤلّفه وطول نَفَسه في التحرير.

مكانته وطبعاته وأثره

حين فرغ ابن حجر من «الإصابة» كان قد كتب في هذا الفنّ كلمةً يصعب أن يُزاد عليها؛ فعُدّ خاتمة المصنّفات في معرفة الصحابة وأجمعَها وأدقَّها، وصار المرجعَ الأوّل الذي يقصده العلماء والمحقّقون والمؤرّخون عند البحث في صحابيّ أو التثبّت من صحبته. ولا تكاد تجد بحثًا في تراجم الصحابة أو في الأسانيد أو في المغازي والتاريخ إلا وله بـ«الإصابة» صلة، لِما فيه من جمعٍ للأخبار ونقدٍ لها لم يجتمع مثله في كتابٍ قبله.

وقد عرف العالَم الكتابَ في العصر الحديث حين طُبع؛ فكانت من أشهر طبعاته الأولى طبعةُ بولاق بمصر في أربعة مجلدات كبار، ثم تتابعت بعدها الطبعاتُ والتحقيقات حتى صار يُطبع في نحو ثمانية مجلدات مع الفهارس والتعليقات، وانتشر بين طلبة العلم انتشارًا واسعًا لا تخلو منه خزانةٌ حديثيّة أو تاريخية. واعتنى المحقّقون بضبط نصّه ومقابلة نسخه وصنع الفهارس له لتيسير الوصول إلى تراجمه.

ومع تعاقب القرون ظلّ «الإصابة» محتفظًا بقيمته مرجعًا ومدرسة؛ فهو من جهةٍ ديوانٌ جامعٌ لأسماء الجيل الأوّل، ومن جهةٍ أخرى نموذجٌ في كيفية جمع التراجم ونقدها وترتيبها، يستفيد منه المتخصّص في الحديث والرجال كما يستفيد منه القارئ الذي يريد أن يتعرّف على أصحاب النبيّ ﷺ من أوثق طريق.

كيف تقرؤه على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «الإصابة» هنا مرتّبًا على حروف المعجم كما وضعه مؤلّفه، فتبحث عن الصحابيّ الذي تريده باسمه فتصل إلى ترجمته مباشرةً، أو تتصفّح الحرفَ حرفًا لتتعرّف على أعلام الصحابة وسِيَرهم. وننصحك أن تنتبه إلى القسم الذي وردت فيه الترجمة، فبه تعرف مرتبة صاحبها: أهو صحابيٌّ ثابتٌ، أم مخضرمٌ أو طفلٌ عاش زمنه، أم ممّن نبّه ابن حجر على أنه ذُكر فيهم غلطًا.

واقرأه قراءة المستفيد لا المستعجل؛ فتأمّل كيف يسوق ابن حجر الأخبار ويحكم على أسانيدها ويرجّح بينها، فذاك موضع الفائدة الكبرى، إذ تتعلّم منه صناعة النقد كما تتعلّم أخبار الصحابة. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّل الكتاب أو انتقل إلى الاسم الذي يعنيك، واقرأ في سِفرٍ هو أجمع ما كُتب في معرفة أصحاب رسول الله ﷺ.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب الإصابة في تمييز الصحابة؟
مؤلفه الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852 هـ بالقاهرة، وهو حافظ عصره وصاحب «فتح الباري بشرح صحيح البخاري». وقد لُقّب بـ«أمير المؤمنين في الحديث»، وكان إمامًا في نقد الرجال والجرح والتعديل، وهي الملَكة التي مكّنته من تصنيف هذا الكتاب على أتمّ وجه.
ما معنى «تمييز الصحابة» في عنوان الكتاب؟
الكتاب معجمٌ جامعٌ لتراجم الصحابة، و«التمييز» هو غايته الكبرى؛ أي فرزُ من ثبتت صحبته للنبيّ ﷺ ممّن أُدخل في عدادهم غلطًا أو وهمًا. فلم يكتفِ ابن حجر بجمع الأسماء، بل نقدها وردَّ المُقحَمين إلى مواضعهم، حتى صار الكتاب ميزانًا يُحتكم إليه في إثبات الصحبة أو نفيها.
ما الأقسام الأربعة التي رتّب عليها الصحابة؟
قسّم ابن حجر كلَّ حرفٍ إلى أربعة أقسام: الأوّل لمن ثبتت صحبته حقيقةً وهم جمهور الكتاب؛ ثم قسمان لمن عاش زمن النبيّ ﷺ ولم يثبت لقاؤه على وجهٍ بيّن، وهما المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ومن وُلد في حياته من الأطفال؛ والقسم الرابع لمن ذُكر في الصحابة غلطًا ووهمًا، فنبّه على خطأ عدّهم منهم.
ما الفرق بينه وبين الاستيعاب وأُسد الغابة؟
«الاستيعاب» لابن عبد البرّ و«أُسد الغابة» لابن الأثير من أجلّ ما صُنّف قبله في معرفة الصحابة، لكن كلًّا منها فاته أسماء أو أدخل بعض من ليس من الصحابة. فجاء ابن حجر يجمع ما فيها وما في غيرها كـ«معرفة الصحابة» لأبي نعيم، ويستدرك الفائت وينقّي المُقحَم بميزان النقد الحديثيّ، فكان «الإصابة» أوسعَها استيعابًا وأدقَّها تمييزًا وخاتمةَ المصنّفات في بابه.
هل يمكن قراءة الإصابة كاملًا مجانًا؟
نعم، النصّ الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، مرتّبًا على حروف المعجم كما وضعه المؤلّف. فتبحث عن الصحابيّ باسمه فتصل إلى ترجمته مباشرةً، أو تتصفّح الكتاب حرفًا حرفًا لتتعرّف على أعلام أصحاب النبيّ ﷺ وأخبارهم من أوثق طريق.

النص الكامل بين يديك

الإصابة في تمييز الصحابة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن