عن الكتاب
في قريةٍ صغيرة من قرى الصعيد المصري، جلس طفلٌ كفيفٌ عند عتبة بيتٍ متواضع يُنصت إلى أصوات الليل ويحفظ خطواتِه المعدودة إلى السياج، لا يذكر متى فقد بصره ولا كيف، لكنه يذكر كلّ شيءٍ سواه: رائحة الحقل، وحكايات النساء، وترتيل القرآن في الكُتّاب. من ذلك الطفل خرج أعظم أدباء العربية في القرن العشرين، ومن ذاكرته الحادّة خرج كتابٌ يروي رحلته من ظلمة القرية إلى نور الأزهر ثم إلى ضياء باريس. أملاه على غيره لأنه لم يكن يُبصر، فجاء نثرًا موسيقيًّا يجري كالماء ويهزّ القلب هزًّا. هذه هي «الأيام» لطه حسين، عميد الأدب العربي.

هو طه حسين، وُلد سنة 1889 في قريةٍ من قرى صعيد مصر بمحافظة المِنيا، لأسرةٍ متوسّطة الحال كثيرة العيال. فقد بصره طفلًا صغيرًا إثر رمدٍ أصاب عينيه عُولج علاجًا خاطئًا، فعاش عمره كلّه كفيفًا. غير أن هذا الحرمان لم يُقعده، بل شحذ ذاكرته وسمعه وشغفه بالعلم، حتى حفظ القرآن في كُتّاب قريته صبيًّا، ثم شدّ الرحال إلى القاهرة ليطلب العلم في الأزهر.
لم يقنع طه حسين بعلوم الأزهر على جلالتها، فلمّا أُنشئت الجامعة المصرية التحق بها في أوائل عهدها، ونال منها أوّل دكتوراه تمنحها سنة 1914 عن أبي العلاء المعرّي. ثم بُعث إلى فرنسا، فدرس في مونبلييه ثم في جامعة السوربون بباريس، ونال الدكتوراه سنة 1918 عن ابن خلدون، وتزوّج هناك من رفيقة عمره سوزان. عاد إلى مصر أستاذًا للأدب، فعميدًا لكلية الآداب، ثم وزيرًا للمعارف، حيث نادى بمجّانية التعليم وسعى إلى إتاحته لكل مصري.
كان طه حسين مجدِّدًا جريئًا أثارت آراؤه النقدية جدلًا واسعًا، لكنه ظلّ على الدوام رمزًا للنهضة الفكرية والأدبية في مصر والعالم العربي، حتى لُقّب بـ«عميد الأدب العربي» وهو اللقب الذي لازمه واستحقّه. وترك وراءه مكتبةً حافلة من النقد والدراسة والقصّة والترجمة، تظلّ «الأيام» من أحبّها إلى القرّاء وأخلدها ذكرًا.
التعليم كالماء والهواء، حقٌّ لكل مواطن.
«الأيام» سيرةٌ ذاتية يروي فيها طه حسين قصّة حياته من طفولته في القرية إلى شبابه ونضجه، في ثلاثة أجزاء توالى صدورها على مدى عقود: صدر الجزء الأول سنة 1929 بعد نشره مسلسلًا في مجلة الهلال، والثاني سنة 1939، ثم صدر الجزء الثالث في ستينيات القرن العشرين. يحكي الجزء الأول طفولته في الكُتّاب وبيت أبيه، والثاني رحلته إلى الأزهر وما لقيه فيه، والثالث سفره إلى فرنسا وحياته الجامعية هناك.
ولأن المؤلف كان كفيفًا لا يكتب بيده، فقد أملى «الأيام» إملاءً كما أملى سائر كتبه؛ يُنشئ الجملة في ذهنه تامّةً موزونة ثم يُلقيها على من يكتب عنه. وقد أخرج الجزء الأول في فترةٍ وجيزة كأنما تدفّق دفقًا واحدًا، فجاء متماسك النَّفَس متّصل النَّبْض، يشعر قارئه أنه يُصغي إلى صوتٍ يحكي لا إلى قلمٍ يخطّ.
لم يقصد طه حسين أن يكتب ترجمةً باردة لحياته، بل أراد أن يستعيد إحساس الطفل بالعالم من حوله: دهشته وخوفه، فرحه وألمه، وحيرته بين ظلمة عينيه ونور عقله. فجاءت «الأيام» أقرب إلى العمل الفنّي منها إلى المذكّرات المجرّدة، تُعنى بالشعور قدر عنايتها بالحدث، وتصنع من تفاصيل الحياة اليومية أدبًا رفيعًا.
تنقل «الأيام» قارئها بين ثلاثة عوالم متباعدة قطعها صاحبها في رحلة عمره. أوّلها عالم القرية: بيت الأب، والأمّ، والإخوة، والكُتّاب حيث حفظ القرآن، وسيدنا الفقيه، وحكايات الجانّ والأولياء التي كانت تملأ ليل الصعيد. يصوّر طه حسين هذا العالم بعينٍ لا تُبصر لكنها ترى كلّ شيء، فينقل حرارة الحياة البسيطة وقسوتها معًا، من غير أن يجمّلها أو يحطّ من قدرها.
ثمّ ينتقل إلى عالم الأزهر: مدينة القاهرة الغريبة على الفتى القادم من الريف، وحلقات العلم، والشيوخ، وطريقة الدرس القديمة التي ضاق بها طموحه. هنا يبدأ الصراع بين ما ورثه وما يتطلّع إليه، بين قناعة الأمس وأسئلة الغد. وهو صراعٌ يرويه بصدقٍ لا يخلو من نقدٍ لاذع ولا من حنينٍ خفيّ في آن.
وأخيرًا يبلغ العالم الثالث: باريس والجامعة الأوروبية، حيث ينفتح أمام الفتى الكفيف أفقٌ جديد من المعرفة والحرية، ويتعرّف على من ستقرأ له وتصير عينيه ورفيقة دربه. في هذا الجزء تنضج شخصية صاحب السيرة، ويكتمل تحوّله من صبيٍّ ضرير في قريةٍ نائية إلى شابٍّ يطلب أرفع العلوم في أعرق الجامعات، فتُتوَّج الرحلة بانتصار الإرادة على القدر.
أبرز ما يميّز «الأيام» أن طه حسين يروي حياته بضمير الغائب لا بضمير المتكلّم؛ فلا يقول «فعلتُ» و«رأيتُ»، بل يتحدّث عن نفسه كأنه شخصٌ آخر، فيسمّيه «الفتى» و«صاحبنا» و«صاحب هذه الترجمة». وبهذا الاختيار الفنّي البديع يخلق مسافةً بينه وبين الطفل الذي كانه، فيتأمّل ماضيه بعين الأديب لا بعاطفة صاحب المصيبة، ويمنح سيرته طابعًا قصصيًّا يشدّ القارئ.
أمّا لغته فنثرٌ موسيقيٌّ رفيع، تتطاول فيه الجمل في إيقاعٍ متّزن، ويتكرّر فيه اللفظ والتركيب تكرارًا يشبه ترديد النغم، حتى ليكاد القارئ يسمع للعبارة رنينًا. وفي هذا الأسلوب صدى الثقافة القرآنية والتراثية التي نشأ عليها المؤلف، ممزوجةً بحسٍّ حديثٍ في تصوير المشاعر ودقّة التقاط التفاصيل، فاجتمعت له فصاحة القديم ورهافة الجديد.
ومع هذه العناية بالجمال اللفظي، تبقى «الأيام» صادقةً جريئة لا تُخفي ضعفًا ولا تتجمّل بكذب؛ يذكر فيها صاحبها ألم الحرمان، ومرارة الفقر، وقسوة بعض من حوله، وحيرته الدينية والفكرية، بشجاعةٍ نادرة في أدب السيرة العربي. فاجتمع لها صدقُ الاعتراف وجمالُ العبارة، وهما سرّ خلودها.
تُعدّ «الأيام» من أهمّ ما كُتب في فنّ السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، بل يراها كثيرٌ من النقّاد حجر الأساس الذي قام عليه هذا الفنّ في العربية. فقبلها كانت التراجم والمذكّرات في الغالب سردًا للأحداث، فجاءت «الأيام» لتجعل من حياة الكاتب مادّةً للفنّ، تُروى بلغةٍ عالية وبناءٍ محكم وصدقٍ عميق، ففتحت الباب أمام أجيالٍ من الكتّاب ليرووا سيرهم على منوالها.
ولم يبقَ أثرها حبيس العربية، فقد تُرجمت إلى لغاتٍ عدّة؛ فنُقل جزؤها الأول إلى الإنجليزية بعنوان «An Egyptian Childhood»، وإلى الفرنسية وغيرها، فتعرّف القرّاء في الغرب من خلالها على طفولةٍ مصريةٍ صعيدية وعلى صوت أديبٍ كفيفٍ انتصر على الظلمة. وبذلك صارت «الأيام» جسرًا بين الأدب العربي والقارئ العالمي.
وتظلّ «الأيام» إلى اليوم من الكتب التي تُقرأ وتُدرّس في المدارس والجامعات، ويعود إليها القارئ جيلًا بعد جيل. فهي ليست سيرة رجلٍ واحد فحسب، بل صورةٌ لمصر في مطلع القرن العشرين، وشهادةٌ على أن العزيمة قد تصنع من طفلٍ محرومٍ عميدًا لأدب أمّةٍ بأسرها.
يمكنك أن تقرأ «الأيام» هنا على ترتيبها الطبيعي، فتبدأ من الجزء الأول عند طفولة الفتى في القرية والكُتّاب، ثم تنتقل معه إلى الأزهر في الجزء الثاني، فإلى باريس والجامعة في الجزء الثالث، لتعيش الرحلة كاملة من ظلمة البداية إلى نور المنتهى. واقرأها متمهّلًا، فهي كتابٌ يُذاق حرفًا حرفًا لا يُلتهم التهامًا؛ اسمع إيقاع جُمله، وتأمّل كيف يصوّر المشاعر بكلماتٍ قليلة.
والنصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الجزء الذي يعنيك، واقرأ في واحدةٍ من أخلد السير الذاتية في الأدب العربي، بقلم عميده طه حسين.
النص الكامل بين يديك
الأيام كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن