عن الكتاب
امرأةٌ لا تخلع السواد؛ ترتديه حِدادًا على أبٍ اغتاله الإرهاب في سنوات الجزائر الدامية، حتى صار لونُ الحزن ثوبَها الذي لا تفارقه. هي «هالة»، مغنيةٌ يسكن الشجَنُ صوتَها، تحمل جرحها من وطنٍ نازفٍ إلى منافي الغربة، فيعترض طريقها رجلٌ ثريٌّ نافذٌ يملك كلّ شيءٍ إلا قلبها. وبين إغراء السلطة والمال من جهةٍ، وكبرياء المرأة الجريحة وذاكرتها من جهةٍ أخرى، تتوتّر حكايةُ حبٍّ لا تشبه سواها. بلغةٍ شاعريةٍ آسرةٍ تنسج أحلام مستغانمي هذه الحكاية في روايتها «الأسود يليق بك».

بطلة الرواية «هالة»، شابةٌ جزائريةٌ موهوبةٌ يحمل صوتُها وعدًا بالغناء والمجد، لكنّ حياتها انكسرت باكرًا حين اغتال الإرهابُ والدها في سنوات الجزائر الدامية. من ذلك الجرح وُلد قرارها أن تلبس السواد حِدادًا لا يفارقها، فصار اللون علامةً على حزنها وكبريائها معًا، وصار جسرًا خفيًّا بين ذاكرة الأب الغائب وحاضرٍ يحاول أن يبتلعها.
تحمل هالة حكايتها من وطنٍ نازفٍ إلى منافي الغربة، حيث يقودها صوتها إلى عالم الأضواء، فيعترض طريقها رجلُ أعمالٍ ثريٌّ نافذٌ يملك المال والسلطة والقدرة على أن يصنع منها نجمة. غير أنّ ما يبدو فرصةً برّاقة سرعان ما يتحوّل إلى اختبارٍ عسيرٍ للنفس: هل يُشترى القلب كما تُشترى الأشياء؟ وهل يليق بامرأةٍ جريحةٍ أن تسلّم مصيرها لمن يملك كلّ شيءٍ إلا حبّها الخالص؟
من هذا التوتّر بين المرأة الحرّة والرجل القادر على كلّ شيء، تنسج مستغانمي حكاية حبٍّ متوترةٍ يتنازعها الإعجاب والحذر، والرغبة والخوف، والانجذاب والكبرياء. ولن نكشف هنا مآل هذه العلاقة ولا مفاجآتها، فذلك ممّا نتركه لمتعة القارئ، لكنّنا نقف عند عتبتها لنقول إنّها ليست قصة عاشقين فحسب، بل حكايةُ امرأةٍ تدافع عن كرامتها وذاكرتها في مواجهة إغراءٍ لا يُقاوَم.
أحلام مستغانمي روائيةٌ وشاعرةٌ جزائرية وُلدت عام 1953 لأسرةٍ جزائريةٍ في المنفى، ونشأت في بيتٍ مسكونٍ بهموم الوطن والنضال. بدأت طريقها إلى الأدب شاعرةً قبل أن تصير روائية، وحملت في نصوصها هَمَّ الجزائر وذاكرتها الجريحة، وصوت المرأة العربية الباحثة عن حريتها وكلمتها.
ذاع اسمها في العالم العربي كلّه مع ثلاثيتها الشهيرة التي افتتحتها رواية «ذاكرة الجسد» عام 1993، وتبعتها «فوضى الحواس» ثم «عابر سرير». وقد لقيت «ذاكرة الجسد» احتفاءً نقديًّا واسعًا، ونالت ميدالية نجيب محفوظ للأدب عام 1998، وكرّست صاحبتها واحدةً من أبرز الأصوات الروائية العربية المعاصرة، وممّن يُشار إليهم بوصفهم روّاد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية.
تتميّز مستغانمي بحضورٍ جماهيريٍّ نادرٍ بين الأدباء؛ فكتبها من أكثر الكتب العربية مبيعًا، وقرّاؤها بالملايين، وخصوصًا من النساء والشباب الذين يجدون في لغتها ما يشبه البوح والمرآة. وقد اختيرت في أكثر من استطلاعٍ ضمن أكثر الشخصيات العربية تأثيرًا، وظلّت عباراتها تتناقلها الألسنة وصفحات القرّاء بوصفها حِكَمًا صغيرةً عن الحبّ والفقد والوطن.
تدور «الأسود يليق بك» حول سؤالٍ قديمٍ متجدّد: ماذا يحدث حين يلتقي الحبُّ بالسلطة والمال؟ فالرجل في الرواية يملك ما يملكه الأقوياء من نفوذٍ وثروةٍ وقدرةٍ على التملّك، بينما لا تملك المرأة إلا صوتها وكبرياءها وذاكرتها. ومن هذا التفاوت في القوة تنبثق أهمّ توترات الرواية: هل يمكن أن يقوم حبٌّ حقيقيٌّ بين طرفين غير متكافئين؟ وأين ينتهي الإعجاب ويبدأ الامتلاك؟
وإلى جانب ثيمة الحبّ، تحضر ثيمةُ الحزن والذاكرة حضورًا طاغيًا؛ فالسواد الذي ترتديه البطلة ليس زينةً بل جرحٌ مفتوحٌ على مأساة أبٍ اغتاله الإرهاب، وعلى وطنٍ عاش عشريةً دامية. وهكذا تتشابك الحكاية العاطفية مع الجرح الجزائري، فتصير قصة المرأة صدىً لقصة بلدٍ بأكمله فقد أبناءه واضطُرّ إلى الرحيل والحداد.
وفي العمق تطرح الرواية سؤال المرأة وكرامتها: كيف تحافظ امرأةٌ موهوبةٌ وحيدةٌ على حريّتها في عالمٍ يريد أن يشتريها أو يروّضها؟ إنّها ثيمة الأنوثة الجريحة التي تأبى أن تكون مجرّد فريسةٍ جميلةٍ في يد قويّ، والتي ترى في سوادها درعًا لكرامتها لا رمزًا لضعفها.
أوّل ما يأسر القارئ في أدب أحلام مستغانمي هو لغتها؛ فهي لغةٌ شاعريةٌ عاليةٌ تقيم في المنطقة الفاصلة بين النثر والشعر، مشحونةٌ بالصور والمجازات، مسكونةٌ بالإيقاع. تكتب مستغانمي جملها كأنها أبياتٌ صغيرةٌ يمكن اقتطافها وحدها، ولذلك اعتاد قرّاؤها أن يسطّروا تحت عباراتها وينقلوها بوصفها حِكَمًا عن الحبّ والفراق.
في «الأسود يليق بك» تتكرّر هذه البصمة: تأمّلاتٌ عن الحبّ والقوة، ومناجاةٌ داخليةٌ للبطلة، وحوارٌ محمّلٌ بالتوتّر والذكاء. وقد يرى بعض النقّاد في هذا الأسلوب ميلًا إلى الغنائية والاستطراد العاطفيّ، لكنّ جمهورها العريض يجد فيه بالضبط سرّ الجاذبية: نصٌّ يُخاطب القلب مباشرةً بلغةٍ أنيقةٍ لا تخلو من فخامة.
وهكذا لا تُقرأ الرواية بوصفها حبكةً تتلاحق أحداثها فحسب، بل بوصفها تجربةً في اللغة والإحساس؛ رحلةً في وجدان امرأةٍ تُقال بأجمل ما في العربية من قدرةٍ على البوح.
حين صدرت «الأسود يليق بك» عام 2012 كانت صاحبتها قد رسّخت مكانتها بالفعل نجمةً في سماء الرواية العربية، فاستقبل القرّاء عملها الجديد بشغف. سرعان ما تحوّلت الرواية إلى واحدةٍ من أكثر الكتب العربية مبيعًا ورواجًا، وتصدّرت واجهات المكتبات ومعارض الكتاب، وتناقلها القرّاء في المشرق والمغرب على حدٍّ سواء.
يفسّر هذا الرواج تقاطعُ عناصرَ عدّة: اسمُ مستغانمي الذي يضمن قاعدةً هائلةً من القرّاء المخلصين، وحكايةُ حبٍّ متوترةٍ تلامس أشواق النساء والشباب، ولغةٌ سهلةُ الاقتباس تنتشر على ألسنة القرّاء وصفحاتهم. وقد نُقلت الرواية لاحقًا إلى الدراما التلفزيونية في عملٍ حمل عنوانها نفسه، فزادها ذلك حضورًا وشهرةً لدى جمهورٍ أوسع.
ومع أنّ النقّاد اختلفوا في تقييمها بين من رأى فيها امتدادًا لعالم مستغانمي الرومانسيّ الآسر، ومن رأى فيها انحيازًا إلى العاطفة على حساب البناء، فإنّ نجاحها الجماهيريّ يبقى حقيقةً لا تُنكَر، وشاهدًا على قدرة الكاتبة على مخاطبة وجدان القارئ العربيّ.
هذه رواية لمحبّي الأدب العاطفيّ ذي اللغة الشاعرية، ولكلّ من يبحث عن حكاية حبٍّ ناضجةٍ تتقاطع فيها المشاعر مع أسئلة الكرامة والسلطة والذاكرة. يجد فيها قرّاء أحلام مستغانمي امتدادًا لعالمها المألوف، ويجد فيها القارئ الجديد بابًا أنيقًا للدخول إلى أدبها. وهي تناسب بخاصةٍ من يحبّ أن يقرأ عن المرأة العربية وصوتها، وعن الجزائر وجرحها، بلغةٍ تُقرأ كما يُقرأ الشِّعر.
ونضع على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّبك من عالم الرواية وثيماتها وسرّ رواجها، لا نسخةً كاملةً من نصّها. والرواية متوفّرةٌ في طبعاتها الورقية لمن أراد أن يقرأها كاملة، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ومكانتها ونضعك على أوّل الطريق إليها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون