عن الكتاب

الأربعون النووية

في دمشقَ القرنِ السابع الهجري، حيث كانت دُور الحديث تموج بحلق العلم وطلبةُ المشرق يفدون إليها من كل صوب، جلس شابٌّ زاهدٌ عُرف بالورع والانقطاع للعلم لا يكاد يُضيّع ساعةً من ليلٍ أو نهار إلا في مطالعةٍ أو تصنيف. رأى أنّ طالب الآخرة أحوجُ ما يكون إلى نصوصٍ قليلةٍ جامعةٍ يحفظها فتنتظم له بها أصولُ دينه، فانتخب من بحر السنّة أحاديثَ معدودةً، كلُّ واحدٍ منها قاعدةٌ عظيمة قال العلماء إنّ مدار الإسلام عليها. جمعها في رسالةٍ صغيرة الحجم عظيمة النفع، اشترط في جُلّها الصحّة، وصدّرها بمقدمةٍ في فضل حفظ الحديث وتبليغه. فكان من ذلك أشهرُ متنٍ حديثيٍّ حفظه المسلمون وشرحوه ودرّسوه في مشارق الأرض ومغاربها: «الأربعون النووية».

غلاف الأربعون النووية
المؤلف
الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي الشافعي
سنة الوفاة
676 هـ بنوى (وُلد سنة 631 هـ، عن نحو خمسٍ وأربعين سنة)
النوع
حديث · متنٌ مختصر في جوامع الكلم وقواعد الدين
عدد الأحاديث
اثنان وأربعون حديثًا، واشتهر الكتاب باسم «الأربعين»
المكانة
أشهر متون الحديث حفظًا وشرحًا وتدريسًا في العالم الإسلامي
أشهر شروحه
«جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي، وشرح ابن دقيق العيد

من هو الإمام النووي؟

هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مُرّي النووي، نسبةً إلى «نوى» من قرى حوران جنوبيَّ دمشق، وُلد بها سنة 631 هـ ونشأ في بيت صلاحٍ وعفاف. حُبِّب إليه العلم صغيرًا، فقدم دمشق وهو دون العشرين فلازم حِلَقها ونزل بالمدرسة الرواحية، وأقبل على التحصيل إقبالًا عجيبًا حتى قيل إنه كان يقرأ في اليوم الواحد دروسًا عدّة على شيوخه في الفقه والحديث واللغة والأصول، ويعلّق عليها ويحرّرها، فبرع في فنونٍ شتّى في زمنٍ يسير.

اشتهر النووي بالزهد والورع والتقلّل من الدنيا حتى صار مضربًا للمثل في ذلك؛ عزف عن مطاعم الترف، وواظب على العبادة والذكر، وجمع إلى العلم عملًا وصدقًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخشى فيه لومة لائم ولو أمام أهل السلطان. وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أرفع المناصب العلمية يومئذ، فكان مرجعًا للفتوى والتدريس تُشدّ إليه الرحال.

ومع قِصَر عمره، إذ توفي سنة 676 هـ عن نحو خمسٍ وأربعين سنة، ترك ثروةً علمية قلَّ أن يجتمع مثلها لمن عُمِّر أضعافَه؛ فمن كتبه «المجموع شرح المهذّب» و«روضة الطالبين» و«منهاج الطالبين» في فقه الشافعية، و«المنهاج شرح صحيح مسلم»، و«رياض الصالحين»، و«الأذكار»، و«التبيان في آداب حملة القرآن»، و«تهذيب الأسماء واللغات». وصار كثيرٌ منها عُمدةً في المذهب وفي التربية والسلوك، وبقيت «الأربعون» أشهرَ متونه انتشارًا على صِغَر حجمها.

قصة التأليف والباعث عليه

جرت عادة العلماء قبل النووي أن يجمع الواحد منهم «أربعين حديثًا» في بابٍ من الأبواب: في الأصول، أو الفروع، أو الجهاد، أو الزهد، أو الآداب. فرأى النووي أن يجمع أربعين حديثًا أهمَّ من ذلك كلّه، تكون جامعةً لما يحتاجه المسلم في أصل دينه وعبادته ومعاملته وأخلاقه، بحيث يكفي حفظُها في تقويم القلب والعمل. فانتخبها من دواوين السنّة المعتمدة، وجعل أكثرها في الصحيحين أو أحدهما، ولم يخرج بها عمّا صحّ أو حَسُن.

وقد ذكر في مقدمته أنه رُوي في فضل حفظ أربعين حديثًا أحاديثُ كثيرة، أشهرها حديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله فقيهًا»، ثم نبّه على أنّ الحفّاظ متفقون على ضعفه مع كثرة طرقه، فلم يعتمد عليه في الباعث على الجمع، وإنما اعتمد على ما صحّ من قوله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها»، وقوله: «ليبلّغ الشاهدُ الغائب». فكان مقصده تبليغ خلاصةٍ نافعة لا التماس فضيلةٍ لم تثبت.

وجاء هذا الجمع في زمنٍ عصيب على المشرق الإسلامي؛ فالحروب الصليبية لم تُطفَأ نارها بالشام، وزحف التتار قد أطبق على المشرق حتى بلغ بغداد. وكانت دمشق في تلك الأثناء حصنًا للعلم، تزدهر فيها دور الحديث ومجالس الرواية، فجاءت «الأربعون» متنًا خفيف الحمل غزير المعنى يصلح أن يحمله طالب العلم في صدره أينما حلّ، ويعود إليه في زمن الشدّة كما يعود إليه في زمن الرخاء.

وكلُّ حديثٍ منها قاعدةٌ عظيمة من قواعد الدين، قد وصفه العلماء بأنّ مدار الإسلام عليه، أو هو نصفُ الإسلام أو ثلثُه أو نحو ذلك.
الإمام النووي في مقدمة «الأربعين»

منهجه في الاختيار وبناء الكتاب

وضع النووي لكتابه شرطًا دقيقًا رفعه فوق كونه مجموعةً حديثية عابرة: ألّا يورد إلا حديثًا يكون «جامعًا» من جوامع الكلم، أي قاعدةً عظيمة يتفرّع عنها كثيرٌ من مسائل الدين. فجاءت أحاديثه أصولًا كليّة لا جزئياتٍ متفرقة؛ فيها ما يبني العقيدة كحديث جبريل في الإسلام والإيمان والإحسان، وما يبني العمل كحديث «إنما الأعمال بالنيات»، وما يبني الحلال والحرام كحديث «الحلال بيّنٌ والحرام بيّن»، وما يبني الأخلاق والسلوك كحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

وقد استوعبت الأحاديث الاثنان والأربعون أبوابَ الدين الكبرى في نسقٍ بديع: أصول الاعتقاد، وأركان الإسلام، والإخلاص والنيّة، والورع وترك الشبهات، والرحمة وحسن الخلق، والأمر بالمعروف، والزهد في الدنيا، وحفظ حدود الله. ولذلك قال العلماء إنّ من حفظ هذه الأربعين وفقهها فقد أحاط بجُمَل الدين وأصوله، وصار على بصيرةٍ في أكثر ما يعرض له من مسائل العلم والعمل.

أما بناء الكتاب فقد آثر فيه النووي الاختصار الشديد؛ حذف الأسانيد الطويلة واكتفى بعزو كل حديث إلى مَخرجه الأعلى، البخاري أو مسلم أو غيرهما من أصحاب السنن، ليبقى المتن خفيفًا على الحافظ سهلًا على المبتدئ. فخرجت الرسالة صغيرةً في حجمها، كبيرةً في أثرها، تُقرأ في مجلسٍ واحد وتُحفظ في أيامٍ معدودة، ثم يبقى صاحبها يتفيّأ ظلالها عمره كلّه.

إنما الأعمالُ بالنيّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى.
أول أحاديث «الأربعين»، متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه

انتشارها ومكانتها في التعليم

قلّ أن تجد متنًا حديثيًّا نال من القبول والانتشار ما نالته «الأربعون النووية»؛ فهي في الغالب أول ما يُحفَّظ للمبتدئ في علم الحديث، يبدأ بها الصغار في الكتاتيب والمساجد قبل أن ينتقلوا إلى «رياض الصالحين» و«بلوغ المرام» وأصول السنّة. وقد حُفظت في مشارق الأرض ومغاربها، وتُرجمت إلى لغاتٍ كثيرة، ودخلت مناهج التعليم الشرعي في أقطارٍ لا تكاد تُحصى.

وسرُّ هذا الذيوع يكمن في اجتماع أوصافٍ نادرًا ما تجتمع في كتاب واحد: قِصَرٌ يُيسّر الحفظ، وجمعٌ لجوامع الكلم يُغني عن كثير، وصحّةٌ في الأحاديث تطمئن إليها القلوب، وثقةٌ بمكانة النووي وإمامته. فصارت «الأربعون» جسرًا يعبر عليه المبتدئ إلى علوم الشريعة، ومادةً لا تنقطع لخطباء المساجد ووعّاظها ومدرّسيها يستمدّون منها موعظتهم وتعليمهم.

شروحها وأثرها في التراث

ما إن ذاعت «الأربعون» حتى تسابق العلماء إلى خدمتها بالشرح والتعليق، فبلغت شروحها العشرات بين مطوّلٍ ومختصر. ومن أشهرها وأنفعها «جامع العلوم والحكم» للحافظ ابن رجب الحنبلي؛ إذ لم يكتفِ بشرح أحاديث النووي الاثنين والأربعين، بل زاد عليها ثمانيةً حتى بلغت خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ثم بسط في شرحها بسطًا جمع فقه الحديث وأقوال السلف وأسرار الشريعة، حتى صار كتابه أصلًا مستقلًّا في التربية والسلوك.

ومن الشروح المعتبرة شرحُ الإمام ابن دقيق العيد، وهو شرحٌ وجيزٌ محرَّر عُني ببيان معاني الأحاديث وما يُستنبط منها من الأحكام والفوائد، وقد اعتمده الطلبة والمدرّسون لسهولته وجودة تحريره. وتوالت بعدهما الشروح قديمًا وحديثًا، ومن أشهر شروح المتأخرين شرحُ الشيخ ابن عثيمين، فبقيت «الأربعون» مادةً حيّة للتدريس والتأليف جيلًا بعد جيل.

وبهذا الأثر الممتدّ ترسّخت مكانة الكتاب بوصفه مدخلًا إلى السنّة وأصلًا في التربية معًا؛ لا يُذكر تعليمُ الحديث للمبتدئين إلا وتُذكر «الأربعون» في صدارته، ولا تخلو مكتبةٌ إسلامية من نسخةٍ منها أو من شرحٍ عليها. وقد أثبتت الأيام أنّ اختيار النووي لم يكن جمعًا عابرًا، بل انتقاءً حكيمًا وضع يده على خلاصة السنّة النبوية.

كيف تقرؤه على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «الأربعون النووية» على وجهين: أن تسير معها حديثًا حديثًا من أولها، حديث النيّة، إلى آخرها، فتقف مع كل حديثٍ وقفةَ حفظٍ وتدبّر، أو أن تقصد حديثًا بعينه يعنيك أمرُه فتقرأه وتتأمّل ما تفرّع عنه من قواعد الدين. وهي قصيرةٌ يُتمّها القارئ في مجلسٍ واحد، ويسيرٌ عليه أن يحفظها في أيام.

افتح الفهرس وتنقّل بين الأحاديث بضغطةٍ واحدة، واقرأ المتن كاملًا مجانًا على رحلة. ولن تعدم في تراث شروحها ما يفتح لك أبواب معانيها إن أردت الاستزادة، فابدأ بالحفظ والتدبّر، فهي مفتاحٌ يسيرٌ إلى بحرٍ واسع من علوم السنّة.

أسئلة شائعة

من مؤلف الأربعين النووية؟
مؤلفها الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي الشافعي (المتوفى سنة 676 هـ)، أحد كبار علماء الحديث والفقه، وصاحب «رياض الصالحين» و«المنهاج شرح صحيح مسلم» و«المجموع».
كم عدد أحاديث الأربعين النووية؟
تضمّ الأربعون النووية اثنين وأربعين حديثًا في الحقيقة، وإنما غلب عليها اسم «الأربعين» جريًا على عادة العلماء في تسمية مجاميع الحديث، وكلُّ حديثٍ منها قاعدةٌ عظيمة من قواعد الدين.
لماذا سُمّيت بالأربعين مع أنها اثنان وأربعون حديثًا؟
لأنّ العلماء درجوا على تأليف «الأربعينيات» في أبواب العلم المختلفة، فسار النووي على هذه العادة في التسمية. وأشار في مقدمته إلى ما رُوي في فضل حفظ أربعين حديثًا، مع تنبيهه على ضعف ذلك الحديث، فلم يعتمد عليه بل على أحاديث تبليغ العلم الصحيحة.
ما أشهر شروح الأربعين النووية؟
أشهرها «جامع العلوم والحكم» للحافظ ابن رجب الحنبلي الذي زاد الأحاديث إلى خمسين وبسط شرحها، ثم شرح الإمام ابن دقيق العيد لإيجازه وتحريره، ولها شروحٌ كثيرة قديمة وحديثة منها شرح الشيخ ابن عثيمين.
هل يمكن قراءة الأربعين النووية كاملة مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاحٌ للقراءة والحفظ مجانًا على رحلة، مرتّبًا حديثًا حديثًا كما جمعه الإمام النووي، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي حديثٍ منها مباشرة.

النص الكامل بين يديك

الأربعون النووية كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن