عن الكتاب
كان الإمام النووي قد أفنى عمره القصير في خدمة السنّة النبوية شرحًا وتحريرًا وتصنيفًا، حتى إذا استقرّت في نفسه معاني العبادة والذكر أراد أن يهدي إلى الناس كتابًا يمشي معهم في يومهم كلّه: من ساعة يستيقظون فيها إلى ساعة ينامون، ومن دخول البيت إلى الخروج منه، ومن الفرح إلى الشدّة. فجمع من دواوين السنّة ما صحّ وحَسُن من أذكار النبي ﷺ وأدعيته، ورتّبها على أحوال العبد ومواقيته، وبيّن درجة كل حديثٍ وما فيه من الآداب والفوائد. فخرج من ذلك أجمعُ ما صُنِّف في بابه وأوسعُه قبولًا وانتشارًا: «الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار».

هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مُرّي النووي، نسبةً إلى «نوى» من قرى حوران جنوبيَّ دمشق، وُلد بها سنة 631 هـ ونشأ في بيت صلاحٍ وعفاف. حُبِّب إليه العلم صغيرًا فقدم دمشق وهو دون العشرين، فلازم حِلَقها ونزل بالمدرسة الرواحية، وأقبل على التحصيل إقبالًا عجيبًا حتى قيل إنه كان يقرأ في اليوم الواحد دروسًا عدّة على شيوخه في الفقه والحديث واللغة والأصول، ويحرّرها ويعلّق عليها، فبرع في فنونٍ شتّى في زمنٍ يسير.
اشتهر النووي بالزهد والورع والتقلّل من الدنيا حتى صار مضربًا للمثل في ذلك؛ عزف عن مطاعم الترف، وواظب على العبادة والذكر، وجمع إلى العلم عملًا وصدقًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخشى فيه لومة لائم ولو أمام أهل السلطان. وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أرفع المناصب العلمية يومئذ، فكان مرجعًا للفتوى والتدريس تُشدّ إليه الرحال.
ومع قِصَر عمره، إذ توفي سنة 676 هـ عن نحو خمسٍ وأربعين سنة، ترك ثروةً علمية قلَّ أن يجتمع مثلها لمن عُمِّر أضعافَه؛ فمن كتبه «المجموع شرح المهذّب» و«روضة الطالبين» و«منهاج الطالبين» في فقه الشافعية، و«المنهاج شرح صحيح مسلم»، و«رياض الصالحين»، و«التبيان في آداب حملة القرآن»، و«الأربعون النووية». وكان «الأذكار» من أنفع ما خرج من قلمه، إذ اجتمع فيه علمُ المحدّث بذوق العابد الزاهد، فصار عُمدةً في هذا الباب لا يكاد يستغني عنه طالبٌ للسنّة أو راغبٌ في العمل.
كان الذكرُ والدعاء أعظمَ ما يتقرّب به العبد إلى ربه، وقد ثبت في السنّة من ذلك شيءٌ كثير موزّعٌ في دواوينها، لا يجمعه للمسلم إلا مطالعةٌ طويلة في كتب الحديث. فأراد النووي أن ييسّر هذا الخير على الناس، فينتخب لهم من بحر السنّة ما يحتاجونه من أذكار يومهم وليلتهم وأحوالهم كلّها، ويجمعه في سِفرٍ واحدٍ مرتَّب، فلا يحتاج القارئ إلى التنقيب في المصنّفات ولا إلى تمييز الصحيح من الضعيف؛ إذ يكفيه النووي ذلك كلّه.
ولم يكن مقصده مجرّد الجمع، بل أراد أن يقرن العلمَ بالعمل والفقهَ بالسلوك؛ فبيّن آداب الذاكر وأحوال قلبه، ونبّه على المعاني الدقيقة التي ينبغي أن يستحضرها المرء وهو يذكر ربه، حتى لا يبقى الذكر لقلقةَ لسانٍ خاليةً من حضور القلب. وصرّح في مقدمته أنه يحذف الأسانيد طلبًا للاختصار ويشير إلى مصادر الأحاديث ودرجاتها، ليخرج الكتاب سهلًا في متناول العالِم والعامّي معًا.
وجاء هذا التصنيف في زمنٍ عصيب على المشرق الإسلامي؛ فالحروب الصليبية لم تُطفَأ نارها بالشام، وزحف التتار قد أطبق على المشرق حتى بلغ بغداد. وكانت دمشق يومئذ حصنًا للعلم تزدهر فيها دور الحديث ومجالس الرواية، فجاء «الأذكار» زادًا روحيًّا يشدّ به المسلمُ قلبَه إلى ربه في زمن الشدّة كما في زمن الرخاء، ويجعل من ذكر الله أنسًا في كل حالٍ يمرّ به.
بنى النووي كتابه على أصلٍ محكم: ألّا يورد ذكرًا أو دعاءً إلا وقد ثبت في السنّة أو في عمل السلف، وأن يعزوه إلى مصدره من دواوين الحديث كالصحيحين والسنن والمسانيد، ثم يبيّن درجته صحّةً أو حُسنًا أو ضعفًا. فمن كان يريد العمل بذكرٍ من الأذكار وجد بين يديه حكمَ النووي على الحديث، فلا يقع في نقلٍ لا أصل له. وقد قرّر في هذا الباب ما استقرّ عليه جمهور أهل العلم من جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب بشروطه، مع تنبيهه على الموضوع فيُطرَح.
وامتاز الكتاب بأنّ النووي لم يقف عند حدّ سرد النصوص، بل أتبع كثيرًا منها بفوائد فقهية ولغوية وسلوكية؛ يضبط الكلمة المشكلة، ويشرح المعنى الغريب، ويستنبط الحكم، وينبّه على أدب الذكر ووقته وعدده وما يُستحبّ فيه من الطهارة والاستقبال وحضور القلب. فصار الكتاب كأنه مدرسةٌ في العبادة القلبية لا مجرّد فهرسٍ للأدعية، يخرج منه القارئ عالِمًا بما يقول ولِمَ يقوله وكيف يقوله.
وقد افتتح النووي كتابه بمقدمةٍ نفيسة في فضل الذكر وسعة معناه، نبّه فيها على أنّ الذكر لا ينحصر في التسبيح والتهليل ونحوهما، بل يدخل فيه كلُّ طاعةٍ يؤدّيها العبد لله؛ فالمصلّي والصائم والمتصدّق والتالي والساعي في حاجة أخيه كلُّهم ذاكرون لله بأعمالهم. وبهذا التأصيل فتح للقارئ بابًا واسعًا يجعل حياته كلَّها ذكرًا، ثم أخذ يفصّل بعد ذلك أذكار المواقيت والأحوال بابًا بابًا.
واعلم أنّ فضيلة الذكر غير منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وما أشبهها، بل كلُّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى.
رتّب النووي «الأذكار» على منهاج يوم المسلم وأحواله، فجاء أشبه بدليلٍ يمشي مع العبد من مطلع نهاره إلى منتهى ليله. فمن أذكار الاستيقاظ من النوم إلى الوضوء والأذان ودخول المسجد، ثم أذكار الصلاة وما يُقال بعدها، وأذكار الصباح والمساء، والطعام والشراب، ودخول المنزل والخروج منه، والنوم وما يُقال عند الأرق والفزع. ثم يتوسّع في أذكار الأحوال الطارئة: السفر، والمطر والرعد، ورؤية الهلال، والمرض، وعيادة المريض، وتلقين المحتضر، والتعزية، وسائر ما يعرض للمسلم في حياته.
ولم يقتصر على الأذكار المطلقة، بل أفرد أبوابًا للأدعية الجامعة، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، وأدعية القنوت والاستخارة والاستسقاء، وما يُدعى به عند الكرب والهمّ والدَّين. كما عقد فصولًا في آداب تلاوة القرآن وفضائل السُّور والآيات، وفي فضل مجالس الذكر وحلق العلم، حتى صار الكتاب موسوعةً صغيرة في عبادة اللسان والقلب معًا، يجد فيه كلُّ أحدٍ ما يناسب حاله.
وبهذا الترتيب البديع تحوّل «الأذكار» إلى رفيقٍ عمليٍّ لا يفارق صاحبه؛ فمن نزلت به نازلةٌ فتح البابَ المناسب فوجد فيه هَدْيَ النبي ﷺ في مثل حاله، ومن أراد أن يعمّر يومه بالذكر سار مع الكتاب موقّتًا أذكاره على مواقيتها. ولهذا السبب صار من أكثر الكتب دورانًا في البيوت والمساجد، يُقرأ للتعبّد لا للدرس وحده.
كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
نال «الأذكار» من القبول ما جعله أصلًا معتمدًا في بابه، فتوجّه إليه العلماء بالخدمة والشرح. وأشهر ما صُنِّف عليه «الفتوحات الربانية على الأذكار النووية» للعلامة محمد بن علان الصديقي المكي، وهو شرحٌ حافلٌ في مجلداتٍ عدّة، بسط فيه معاني الأحاديث، وتتبّع طرقها ودرجاتها، وأضاف من الفوائد والأدعية ما جعل الكتاب مرجعًا مستقلًّا يجمع بين النصّ النووي والشرح الواسع، فطُبع مقرونًا بأصله وانتشر في الآفاق.
وعُني المحققون المتأخرون بتحرير نصّ الكتاب وتخريج أحاديثه، فمن أشهر تحقيقاته تحقيقُ الشيخ عبد القادر الأرنؤوط الذي راجع أسانيده وميّز صحيحه من ضعيفه وضبط ألفاظه، فصار من أوثق ما تُقرأ به هذه الطبعات. وتوالت طبعات الكتاب في العالم الإسلامي بين محقَّقٍ ومختصر، وترجمت مختاراتٌ منه إلى لغاتٍ عدّة، فبلغ من الانتشار ما قلَّ أن يبلغه كتابٌ في هذا الباب.
وبهذا الأثر الممتدّ ترسّخت مكانة «الأذكار» بوصفه إمام كتب الذكر والدعاء؛ فما جاء بعده من مصنّفات هذا الباب، على كثرتها ونفعها، إلا وهو عيالٌ عليه أو ناسجٌ على منواله. وقد أثبتت الأيام أنّ النووي إذ جمع هذا الكتاب لم يكن يخدم أهل عصره وحدهم، بل مدّ للأمة زادًا روحيًّا لا ينضب، يتوارثه الناس جيلًا بعد جيل.
يمكنك أن تقرأ «الأذكار» على وجهين: أن تسير مع الكتاب من أوله فتتعلّم أذكار يومك بابًا بابًا وتتخذها وِردًا تعمّر به أوقاتك، أو أن تقصد بابًا بعينه يعنيك أمرُه، كأذكار الصباح والمساء أو دعاء السفر أو ما يُقال عند الكرب، فتفتحه مباشرة وتقرأ ما ثبت فيه عن النبي ﷺ مع بيان درجته وفوائده.
افتح الفهرس وتنقّل بين الأبواب بضغطةٍ واحدة، واقرأ النصّ كاملًا مجانًا على رحلة. اجعله رفيقك اليومي لا كتاب مطالعةٍ عابرة؛ فكلما نزلت بك حالٌ رجعت إليه فوجدت هَدْيَ نبيّك ﷺ حاضرًا بين يديك، وبذلك يصير يومك كلُّه موصولًا بذكر الله.
النص الكامل بين يديك
الأذكار للنووي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل