عن الكتاب
تخيّل صبيًّا يكبر وله أبوان لا تجمعهما صلةُ دمٍ واحدة، غير أنّ كلًّا منهما يلقّنه فلسفةً مناقضةً للأخرى في المال: أبٌ يحمل أرقى الشهادات ويكدح موظّفًا طوال عمره ثم يظلّ يشكو ضيق ذات اليد، وأبٌ آخر لم يُكمل تعليمه الرسميّ لكنّه بنى ثروةً واسعةً بعقلِ رجلِ أعمالٍ جريء. من هذين الصوتين المتضادّين، «الأب الفقير» و«الأب الغني»، يستخلص الكاتب دروسًا صادمة عن سرّ الثراء؛ أنّ المدرسة تعلّمنا كلّ شيءٍ إلا كيف نُدير المال، وأنّ الأغنياء لا يعملون من أجل النقود، بل يجعلون النقود تعمل من أجلهم. من هذه المفارقة وُلد واحدٌ من أكثر كتب الثقافة الماليّة انتشارًا في العالم: «الأب الغني والأب الفقير» لروبرت كيوساكي.

روبرت كيوساكي رجل أعمالٍ ومستثمرٌ أمريكيّ من أصلٍ يابانيّ، وُلد في هاواي سنة 1947م. لم يكن اسمًا معروفًا قبل هذا الكتاب، لكنّه بعده تحوّل إلى أحد أشهر وجوه الثقافة الماليّة في العالم، وصاحبِ مدرسةٍ كاملةٍ في «التربية الماليّة» تقوم على فكرةٍ يكرّرها في كلّ أعماله: أنّ المدارس تُخرّج موظّفين بارعين، لكنّها لا تُعلّم الناس كيف يفكّرون في المال ويديرونه.
أطلقه كتاب «الأب الغني والأب الفقير» سنة 1997م إلى الشهرة، فبنى على نجاحه علامةً تجاريّةً واسعة باسم «الأب الغني» (Rich Dad)؛ سلسلةٌ من الكتب اللاحقة، ودوراتٌ وندواتٌ في الاستثمار وريادة الأعمال، ولعبةٌ تعليميّةٌ شهيرة تحمل اسم «كاش فلو» (Cashflow) صمّمها ليعلّم بها مبادئ كتابه بطريقةٍ عمليّة. وقد أُلّف الكتاب في نسخته الأصلية بمشاركة المحاسِبة والكاتبة شارون ليكتر.
وكيوساكي شخصيّةٌ لا تخلو من الجدل؛ فبين مريدين يرون فيه من غيّر نظرتهم إلى المال، ومنتقدين يتحفّظون على بعض طروحاته، ظلّ اسمه حاضرًا في صدارة كتّاب التنمية الماليّة عقودًا. غير أنّ حجر الأساس في كلّ ما بناه يبقى هذا الكتاب الأول الذي حمل أفكاره إلى ملايين القرّاء حول العالم.
يبني كيوساكي كتابه كلَّه على مقارنةٍ بين رجلين مثّلا في حياته فلسفتين متضادّتين. أوّلهما «الأب الفقير»، وهو والده الحقيقيّ؛ رجلٌ متعلّمٌ يحمل شهاداتٍ عليا ويؤمن بأنّ طريق الأمان هو الاجتهاد في الدراسة للحصول على وظيفةٍ مستقرّة، ومع ذلك ظلّ يصارع الديون وضيق المال. وثانيهما «الأب الغني»، وهو والد صديق طفولته؛ رجلٌ لم يُكمل تعليمه الرسميّ، لكنّه بنى ثروةً كبيرةً بعقليّةِ صاحبِ الأعمال.
والفرق بين الرجلين، كما يعرضه الكتاب، ليس في مقدار الدخل، بل في طريقة التفكير في المال ذاتها. فحين يقول الأب الفقير أمام ما يشتهيه: «لا أقدر على شراء هذا»، يسأل الأب الغني نفسه سؤالًا مختلفًا: «كيف أقدر على شرائه؟»، فيدفع عقله إلى البحث عن حلٍّ بدل أن يغلقه بالاستسلام. وبينما ينصح الأوّل بالوظيفة والراتب والأمان، يوصي الثاني بأن تتعلّم كيف يعمل المال، وأن تمتلك ما يدرّ عليك الدخل.
من خلال هذا التقابل البسيط يوصل كيوساكي رسالته: أنّ الثراء ليس رهنًا بحجم الراتب ولا بعلوّ الشهادة، وإنّما هو ثمرةُ ثقافةٍ ماليّةٍ وعقليّةٍ يمكن تعلّمها. وهذا الإطار القصصيّ المشوّق، رجلان وطفلٌ يتعلّم منهما، هو ما جعل أفكار الكتاب سهلة الوصول إلى قارئٍ لا خلفيّة له في المال أو الاقتصاد.
أشهر ما في الكتاب تمييزُه الحادّ بين «الأصل» و«الالتزام»؛ فالأصل، عند كيوساكي، هو كلّ ما يضع المال في جيبك، والالتزام هو كلّ ما يُخرج المال منه. ومن هنا نصيحتُه الجوهريّة: أنفِق طاقتك في اقتناء الأصول المدرّة للدخل، لا في مراكمة الالتزامات التي تلتهم ما تجنيه. بل يذهب إلى طرحٍ صادمٍ أثار جدلًا واسعًا، وهو أنّ بيت السكن الذي يعدّه الناس أعظم أصولهم هو في حسابه أقرب إلى التزامٍ، ما دام يسحب المال منهم لا إليهم.
ومن دروسه الكبرى فكرة «سباق الفئران»؛ تلك الدورةُ التي يعلق فيها أكثر الناس: يعملون ليدفعوا الفواتير، وكلّما زاد دخلهم زادت نفقاتهم والتزاماتهم، فيظلّون يجرون في مكانهم بلا نهاية. والمخرج الذي يقترحه الكتاب هو بناءُ دخلٍ يأتي من الأصول لا من العمل المباشر، حتى يبلغ ما يكفي لتغطية نفقاتك، فتتحرّر من ربط قوتك بوظيفةٍ لا تفارقها.
وإلى جانب ذلك يشدّد كيوساكي على «محو الأميّة الماليّة» بوصفه أساس كلّ شيء؛ أن تفهم الأرقام، وتقرأ ميزانيّتك، وتعرف كيف يتحرّك المال. ويحضّ القارئ على أن «يدفع لنفسه أوّلًا»، وأن يتغلّب على الخوف والكسل والعادات التي تُبقي المال بعيدًا، وأن يرى الأخطاء أبوابًا للتعلّم لا أسبابًا للتوقّف. هي مبادئُ تحفيزيّةٌ أكثر منها وصفاتٍ تقنيّة، لكنّها قلبُ ما جعل الكتاب يُقرأ ويُتناقل.
حقّق «الأب الغني والأب الفقير» نجاحًا استثنائيًّا نادرًا لكتب هذا الصنف؛ فبِيعت منه عشراتُ الملايين من النسخ، وتُرجم إلى عشرات اللغات، وظلّ سنواتٍ طويلةً على قوائم الأكثر مبيعًا، حتى صار من أشهر كتب المال والأعمال في العالم أجمع. ومما ضاعف انتشاره ظهورُ مؤلّفه في برنامج أوبرا وينفري في مطلع الألفيّة، وهو ظهورٌ نقل الكتاب من رواجٍ محدودٍ إلى شهرةٍ جماهيريّةٍ واسعة.
وسرُّ هذا الرواج يكمن في وصفةٍ نادرة: فكرةٌ محوريّةٌ تُلخَّص في جملةٍ واحدة تثير الفضول، وقالبٌ قصصيٌّ خفيفٌ يقوم على حكاية أبوين لا على معادلاتٍ ماليّةٍ جافّة، ولغةٌ بسيطةٌ في متناول القارئ العاديّ، ورسالةٌ تمنح شعورًا بالتمكين وبأنّ الثراء ممكنٌ لمن يغيّر تفكيره. اجتمعت هذه العناصر فصنعت كتابًا يوصي به القرّاء بعضهم بعضًا، فانتشر بقوّة الكلمة المتناقلة أكثر من أيّ دعاية.
وقد تجاوز أثرُه صفحاته إلى ما حوله؛ إذ أسّس تيّارًا كاملًا من كتب «التربية الماليّة» الموجّهة إلى عامّة الناس، وألهم أجيالًا من القرّاء الشباب أن يهتمّوا بالاستثمار وريادة الأعمال، وصار مدخلًا يبدأ منه كثيرون رحلتهم مع الثقافة الماليّة لأول مرّة.
يَنسب إليه محبّوه فضلًا كبيرًا؛ إذ يرون أنّه أزاح الغطاء عن موضوعٍ لطالما بقي غائبًا عن التعليم والبيوت، وهو كيفيّة التفكير في المال، ودفعهم إلى التمييز بين ما يبني الثروة وما يستنزفها، وإلى النظر إلى العمل الحرّ والاستثمار بعينٍ جديدة. ولهذا يصفه كثيرون بأنّه أوّل كتابٍ فتح أعينهم على «التربية الماليّة».
في المقابل، يتحفّظ نقّادٌ على الكتاب من زوايا عدّة؛ فيرون طروحاته أقرب إلى التحفيز العامّ منها إلى الخطوات العمليّة القابلة للتطبيق، ويأخذون على بعض نصائحه تبسيطًا قد يُغري بمخاطرَ ماليّة. كما أُثير جدلٌ حول شخصيّة «الأب الغني» نفسها وهل كانت شخصًا حقيقيًّا بعينه أم إطارًا رمزيًّا صاغه الكاتب لتقريب أفكاره؛ وهو نقاشٌ لا ينفي أثر الكتاب، لكنّه يذكّر القارئ بأن يقرأه بوصفه مُلهِمًا لتغيير العقليّة لا دليلًا استثماريًّا مفصّلًا.
وبين هذين الموقفين يبقى موضعُ الكتاب واضحًا: عملٌ تحفيزيٌّ تأسيسيٌّ في الثقافة الماليّة، قوّتُه في الفكرة والعقليّة أكثر منها في التفاصيل التقنيّة، وقد ترك بصمةً يصعب إنكارها في كيفيّة حديث الناس عن المال والثروة.
هذا كتابٌ لمن يريد أن يبدأ رحلته مع الثقافة الماليّة من بابٍ سهلٍ ومحفّز، ولمن يشعر أنّه يعمل بلا توقّفٍ دون أن يتقدّم ماليًّا فيبحث عن سببٍ لذلك، وللقارئ الشابّ أو المبتدئ الذي يودّ أن يغيّر نظرته إلى المال والعمل والاستثمار. أمّا من يطلب دليلًا استثماريًّا تقنيًّا مفصّلًا بالأرقام والاستراتيجيّات فقد يجده أخفّ من حاجته؛ فقيمته في تحويل العقليّة أكثر منها في تقديم الوصفات الجاهزة.
ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يعينك على معرفة فكرة الكتاب ودروسه وسرّ رواجه قبل أن تقتنيه، دون أن نستضيف نصّه الكامل. والكتاب متوفّرٌ في طبعاته وترجماته العربية وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نضعك على أوّل الطريق إليه، ونوجز لك خلاصته وأسباب شهرته الواسعة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون