عن الكتاب
في أواخر القرن الخامس الهجري، ترك رجلٌ كان أشهر علماء بغداد وأعلاهم منزلةً كرسيَّه في المدرسة النظامية، وخرج عن الدنيا مهاجرًا يطلب طمأنينة قلبٍ لم تُغنِه عنها كتب الكلام والفلسفة. ساح في الشام وبيت المقدس ومكة سنينَ، يخلو بنفسه ويحاسبها ويعيد بناء علاقته بربّه من جديد. وحين نضجت تجربته أراد أن يُحيي ما اندرس من علوم الدين، ويردّ إلى العبادة روحها وإلى القلب صفاءه، فوضع للأمة كتابًا يجمع الفقه إلى الأخلاق، والعبادة إلى المراقبة، وينقل القارئ من ظاهر العمل إلى سرّه. هذا الكتاب هو «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.

هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، الملقّب بحجة الإسلام، وُلد بمدينة طوس من بلاد خراسان نحو سنة خمسين وأربعمائة للهجرة، ونشأ يتيمًا فقيرًا نهمًا للعلم، حتى رحل إلى نيسابور فلازم إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، وبرع في الفقه والأصول والكلام والمنطق والفلسفة براعةً قلّ نظيرها في زمانه. ثم اتصل بالوزير نظام الملك فولّاه التدريس في المدرسة النظامية ببغداد وهو دون الأربعين، فذاع صيته وازدحم عليه الطلاب، وصار شيخ الشافعية وإمام وقته بلا مُنازع.
لكنّ هذه المنزلة الرفيعة لم تُطفئ في نفسه ظمأً باطنيًّا؛ فقد كان عقلًا لا يقنع بالتقليد، فامتحن الطرق كلها: علم الكلام، والفلسفة، ودعوة الباطنية، وطريق الصوفية، ثم سجّل رحلته تلك في كتابه البديع «المنقذ من الضلال». وله من المصنّفات ما ملأ الآفاق: «تهافت الفلاسفة» الذي نقض به غلوّ الفلاسفة، و«المستصفى» في أصول الفقه، و«الاقتصاد في الاعتقاد»، و«بداية الهداية»؛ غير أنّ «الإحياء» يبقى تاج مؤلفاته وأبقاها أثرًا في وجدان الأمة.
بلغ الغزالي قمّة المجد الدنيوي، ثم داهمته أزمةٌ روحيةٌ عاصفة نحو سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة؛ إذ تبيّن له أنّ علمه قد صار مطيّةً للجاه والثناء لا خالصًا لوجه الله، فاضطرب قلبه حتى عجز عن الكلام والإقراء، وأقعده الهمّ عن الطعام والشراب. فحسم أمره وترك بغداد ومنصبه، وخرج بحجّة الحجّ، وأودع أهله ما يكفيهم، وانطلق سائحًا زاهدًا يبحث عن نجاة نفسه.
أقام بدمشق مدةً معتكفًا في جامعها، ثم زار بيت المقدس والخليل، وحجّ ورجع، فقضى قرابة عشر سنين في خلوةٍ ومجاهدةٍ وذكرٍ وتصفيةٍ للقلب. وفي هذه العزلة تكشّفت له حقائق علوم القلوب وأسرار الطريق إلى الله، فكانت ثمرة تلك المجاهدة هذا الكتاب الذي أملاه ليردّ إلى الناس علومًا رآها قد اندرست ودُفنت تحت ركام الجدل الفقهي والكلامي.
وكان زمانه زمان اضطرابٍ فكريٍّ وسياسيّ: دولة السلاجقة في أوجها، والمدارس النظامية تُخرِّج الفقهاء، والفلاسفة والباطنية ينشرون دعواتهم، والفقه قد استحال عند كثيرين صناعةً للفتوى والمناظرة أكثر منه طريقًا للنجاة. فجاء «الإحياء» ردًّا على هذا كله؛ يذكّر العالِم بأنّ العلم إنما أُريد للعمل، وأنّ غاية العلوم كلها إصلاح القلب والفوز بالآخرة.
بنى الغزالي كتابه على أربعة أرباعٍ متساوية، في كلّ ربعٍ عشرة كتب، فتمّت أربعون كتابًا تستوعب حياة المسلم من ظاهرها إلى باطنها. فالربع الأول «ربع العبادات» يتناول العلم والاعتقاد وأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، وتلاوة القرآن والأذكار والأوراد؛ لكنه لا يقف عند صورة العبادة، بل يغوص في أسرارها وآدابها الباطنة التي بها تحيا.
ثم يأتي «ربع العادات» في آداب المعاملات اليومية: الأكل والنكاح والكسب والحلال والحرام، وصحبة الناس والعزلة والسفر وآداب المعيشة، ليجعل من عادات الإنسان عباداتٍ إذا صحّت النية. ثم «ربع المُهلكات» في أمراض القلوب التي تُردي صاحبها: شهوتا البطن والفرج، وآفات اللسان، والغضب والحقد والحسد، وحبّ الدنيا والمال والجاه، والرياء والكِبر والعُجب والغرور، مع بيان علاج كلٍّ منها.
ويُختم بـ«ربع المُنجيات» في مقامات السالكين وأخلاق المؤمنين: التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل والمحبة والشوق والرضا، والإخلاص والمراقبة والمحاسبة والتفكّر، وصولًا إلى ذكر الموت وما بعده. فالكتاب في جملته رحلةٌ منظّمةٌ تنقل القارئ من تصحيح العمل الظاهر إلى تطهير الباطن، ثم إلى منازل القرب من الله.
ما يميّز «الإحياء» أنه مزج مزجًا بديعًا بين علومٍ لم تكن تُجمع عادةً في كتابٍ واحد: الفقهُ وأحكامه، والعقيدةُ وأصولها، والتصوّفُ ومقاماته، وعلمُ الأخلاق وتهذيبُ النفس. وقد أعلن الغزالي في مقدمته أنّ علوم الدين قسمان: علم المعاملة، وعلم المكاشفة؛ وأنه قصد في كتابه علم المعاملة الذي يلزم كلَّ مكلَّف، وترك أسرار المكاشفة لأهلها، فجاء الكتاب عمليًّا سلوكيًّا يخاطب القلب والجوارح معًا.
ومن سماته أنه لا يكتفي بالتقرير النظري، بل يصف الداء ويشخّصه، ثم يصف الدواء والعلاج بلغةٍ واعظةٍ مؤثرة، يستشهد فيها بالآيات والأحاديث وآثار الصحابة وأقوال الحكماء والزهّاد وحكايات العارفين. وامتاز أسلوبه بالعمق والوضوح معًا، وبقدرةٍ نادرةٍ على تحليل خبايا النفس ودقائق نواياها، حتى عُدّ الغزالي من أدقّ من كتب في علم القلوب وطبّ الأرواح.
انتشر «الإحياء» انتشارًا هائلًا، وصار من أكثر كتب الإسلام تداولًا وأعمقها أثرًا في تربية الأجيال على معاني الإخلاص والزهد ومراقبة الله. غير أنه لم يخلُ من نقدٍ عاصف؛ فقد أُخذ عليه اشتماله على أحاديث ضعيفةٍ وواهية، وعلى بعض عبارات الفلاسفة وإشارات الصوفية التي استنكرها بعض الفقهاء، حتى أُفتي بإحراق نسخه في المغرب والأندلس زمن المرابطين. ومع ذلك ظلّت مكانته راسخة، وعاد كثيرٌ ممن انتقده يُقرّ بجلالة مقصده وصدق توجّهه.
وقد خدم العلماء الكتاب عنايةً بالغة: فخرّج الحافظ العراقي (ت 806 هـ) أحاديثه في «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار»، وميّز صحيحها من ضعيفها. وشرحه شرحًا موسوعيًّا السيد مرتضى الزَّبيدي (ت 1205 هـ) في «إتحاف السادة المتقين»، وهو من أنفس شروح كتب الإسلام. أمّا ابن الجوزي فتعقّبه في «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء»، وأعاد صياغة معانيه منقّحةً في «منهاج القاصدين» الذي اختصره الإمام ابن قدامة المقدسي في «مختصر منهاج القاصدين». كما أعاد الغزالي نفسه تلخيص مقاصده بالفارسية في «كيمياء السعادة».
كاد «الإحياء» أن يكون قرآنًا.
أفضل ما يُقرأ به «الإحياء» أن تأخذه على ترتيب أرباعه؛ فتبدأ بربع العبادات لتصحّح عبادتك ظاهرًا وباطنًا، ثم ربع العادات، فربع المهلكات لتعرف أدواء قلبك وتتّقيها، فربع المنجيات لترتقي في منازل السالكين. وإن شئت فاختر من فهرسه كتابًا يعالج ما تشكو منه: كتاب الكِبر والعُجب، أو آفات اللسان، أو الصبر والشكر، أو ذكر الموت وما بعده.
وعلى رحلة تجد نصّ الكتاب كاملًا مقسّمًا على أرباعه وكتبه كما رتّبه الغزالي، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ كتابٍ أو باب بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. اقرأه على مهلٍ متأمّلًا، فإنه كتاب عملٍ لا كتاب حفظٍ فحسب، والمقصود منه أن يتحرّك القلب لا أن تُقلَّب الصفحات.
النص الكامل بين يديك
إحياء علوم الدين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري
1 فصل