عن الكتاب
مَلِكٌ خانته زوجُه فأقسم ألّا يأمن امرأةً بعدها، فصار يتزوّج كل ليلةٍ عروسًا ويقتلها عند الصباح. حتى تقدّمت ابنةُ وزيره شهرزاد، الجريئةُ العاقلة، فبدأت تحكي له في ليلتها حكايةً تقطعها عند مطلع الفجر في أشوق موضع، فيُبقيها الملكُ ليسمع بقيّتها في الليلة التالية. وهكذا تنساب الحكايةُ من رحم الحكاية، وتتوالى الليالي حتى تبلغ ألفًا وليلة، ويتحوّل السيفُ المشرَع إلى إصغاءٍ آسر. هذا هو «ألف ليلة وليلة»، أشهرُ مجموعةٍ قصصية في التراث العربي، وأبعدُها صيتًا في آداب الدنيا كلها.

تقوم الليالي كلها على حكايةٍ واحدةٍ تحتضنها؛ هي حكاية الملك شهريار الذي صُدم بخيانةٍ زلزلت ثقته بالنساء جميعًا، فآلى على نفسه أن يتزوّج كل ليلةٍ فتاةً ويقتلها في صباحها قبل أن تخونه. فعمّ البلادَ الخوفُ والحداد، حتى تقدّمت شهرزادُ ابنةُ الوزير، وكانت من أوسع بنات زمانها علمًا وأحضرهنّ حِفظًا للأخبار والأشعار، فعرضت نفسها زوجةً للملك، وفي نيّتها حيلةٌ تنقذ بها نفسها وبنات جنسها.
كانت خطّتها أن تشرع كل ليلةٍ في حكاية، فإذا أدركها الصباحُ سكتت عن الكلام في موضعٍ حرجٍ مشوّق، فيتوق الملكُ إلى معرفة ما بعده فيؤجّل قتلَها ليلةً أخرى. ثم لا تكاد تُتمّ الحكاية في الليلة التالية حتى تُولّد منها حكايةً جديدة، فيتّصل الشوقُ ولا ينقطع. وهكذا تصير القصةُ درعًا يقيها السيف، ويصير فنُّ الحكي نفسُه بطلَ الكتاب الأكبر.
وعلى امتداد الليالي، لا تكتفي شهرزاد بالتسلية؛ بل تبثّ في حكاياتها من العبرة والحكمة والذكاء ما يُروّض قلب الملك القاسي رويدًا رويدًا، حتى تنقلب الحكايةُ من وسيلة نجاةٍ فرديّة إلى رحلة شفاءٍ لنفسٍ جريحة. فحكاية الإطار في جوهرها احتفاءٌ بسلطان الكلمة، وبقدرة القصّ على أن يُغيّر الإنسان.
وأدرك شهرزادَ الصباحُ فسكتت عن الكلام المباح.
ليس «ألف ليلة وليلة» تأليفَ رجلٍ واحد في زمنٍ واحد، بل هو نهرٌ عظيم تجمّعت فيه روافدُ من ثقافاتٍ شتّى على مرّ القرون. يُرجّح الدارسون أن نواته الأولى تعود إلى كتابٍ فارسيّ قديمٍ يُعرف بـ«هزار أفسان» أي «ألف خرافة»، وأنّ هذه النواة نُقلت إلى العربية في العصور الإسلامية الأولى، ثم أخذت تنمو وتتّسع بما أُضيف إليها من حكاياتٍ هندية الأصل وأخرى عربيةٍ خالصة.
وقد ظلّ الكتاب قرونًا كائنًا حيًّا متحوّلًا، يتناقله الرُّواةُ والحكواتيون في الأسواق والمقاهي، فتُضاف إليه الحكايةُ وتُحذف، وتتبدّل صيغُه من نسخةٍ إلى نسخة ومن بلدٍ إلى بلد. ولذلك لا توجد «نسخةٌ أصلية» واحدة مقطوعٌ بها، وإنما مخطوطاتٌ وطبعاتٌ متفاوتة، من أشهرها الطبعاتُ التي ظهرت في القرن التاسع عشر كطبعة بولاق بمصر وطبعات كلكتّا بالهند.
وهذا التكوّن الجماعي المتراكم هو سرُّ ثرائه؛ إذ اجتمع فيه صوتُ الشعب بلغته العفوية، وذائقةُ المدينة العباسية وبغدادِ هارون الرشيد، وسحرُ الشرق الأقصى وعجائبُه. فصار الكتاب أشبه بموسوعةٍ للمخيّلة الشعبية العربية، تنعكس في مرآتها قيمُ المجتمعات التي مرّ بها وأحلامُها ومخاوفُها.
يفتح الكتاب للقارئ عوالمَ لا تكاد تنتهي: تجّارٌ يركبون البحر فتقذفهم الأمواج إلى جزائر العجائب، وملوكٌ وجَوارٍ وعشّاقٌ تتقلّب بهم الأقدار، ومردةٌ وجِنٌّ يخرجون من القماقم، وحِيَلٌ ومكائدُ ونوادرُ تُضحك وتُبكي في آنٍ واحد. ومن أشهر ما اتّصل باسم الكتاب رحلاتُ السندباد البحري السبع، تلك الملحمةُ الصغيرة عن المغامرة والطمع والنجاة التي صارت رمزًا للمخيّلة البحرية العربية.
وقد ارتبطت بذهن القرّاء في العالم حكاياتٌ عُدّت من أيقونات الكتاب، كحكاية «علاء الدين والمصباح السحري» و«علي بابا والأربعين لصًّا». وممّا ينبغي أن يعرفه القارئ أنّ الباحثين يرون هاتين الحكايتين من «الحكايات اليتيمة» التي لا توجد في أقدم المخطوطات العربية للكتاب، وإنما دخلت شهرتُها الواسعة من باب الترجمة الأوروبية في القرن الثامن عشر؛ وهي مع ذلك قد صارت في وجدان الناس جزءًا لا يتجزّأ من عالم الليالي.
وتتنوّع الحكايات بين الخرافة والمغامرة والقصة الغرامية والنادرة الفكهة والحكمة الأخلاقية، وتتخلّلها الأشعارُ والأمثال. فالقارئ لا يمضي في خطٍّ واحد، بل ينتقل من جوٍّ إلى جوّ، ومن حكايةٍ تتفرّع منها حكايات، في بناءٍ متداخلٍ يشبه العلبةَ داخل العلبة، صار نموذجًا يُدرَّس في فنّ السرد.
كان لهذا الكتاب حظٌّ عجيب في الغرب؛ فحين نقله المستشرقُ الفرنسي أنطوان غالان إلى الفرنسية في مطلع القرن الثامن عشر تحت عنوان «ألف ليلة وليلة»، أحدثت ترجمتُه دويًّا هائلًا في أوروبا، وفتحت للخيال الغربي بابًا على «الشرق» بعجائبه وقصوره وبساطه السحري. وتوالت بعده الترجماتُ إلى سائر اللغات، ومنها ترجماتٌ إنجليزية شهيرة نقلت الكتاب إلى قرّاء العالم بأسره.
ومن يومها لم يعد «ألف ليلة وليلة» ملكًا للعربية وحدها، بل صار تراثًا إنسانيًّا مشتركًا، تُقتبس منه المسرحياتُ والأوبرا والأفلام والرسوم، ويستلهمه كبارُ الكتّاب في الشرق والغرب. حتى صارت أسماءُ شهرزاد والسندباد وعلاء الدين علاماتٍ يعرفها الطفلُ قبل الشيخ في كل بقاع الأرض، وقلّ أن يوجد عملٌ أدبيٌّ واحد بلغ من الانتشار والتأثير ما بلغه هذا الكتاب.
وهكذا اجتمع للكتاب شرفان: شرفُ الأصالة في تراثه العربي الذي نبت فيه ونما، وشرفُ العالميّة التي جعلته جسرًا بين الثقافات وأحدَ أعظم إسهامات المخيّلة العربية في الأدب الإنساني.
وراء متعة الحكاية تكمن في الليالي معانٍ عميقة ما زالت تُغري الباحثين والقرّاء. فأوّلها وأظهرها الاحتفاءُ بالكلمة والحكاية بوصفهما قوّةً تصنع الحياة وتدفع الموت؛ فشهرزاد لا تنجو بالسيف ولا بالجاه، بل تنجو بفنّها في القصّ، فكأنّ الكتاب كلّه أُنشودةٌ في مديح الخيال ذاته.
وتدور في الليالي أيضًا موضوعاتُ القدر والحيلة والعدل والظلم، وتقلّبِ الأحوال بين الغنى والفقر والرِّفعة والسقوط. وفيها من الحكمة الأخلاقية ما يجعل المكرَ يرتدّ على صاحبه، والصبرَ يُثمر فرجًا، والطمعَ يقود إلى الهلاك؛ فتحت غلاف التسلية درسٌ دائمٌ في مصائر الناس وطبائعهم.
ولعلّ سرّ خلودها أنها تخاطب في الإنسان حاجتَه الأولى: أن يُصغي إلى حكاية. فهي كتابٌ يقرؤه الصغيرُ فيراه بابًا إلى العجائب، ويقرؤه الكبيرُ فيرى فيه مرآةً للنفس البشرية بأطماعها وأشواقها وحيلها. وهذا التعدّد في مستويات القراءة هو ما جعلها تعبر القرون ولا تشيخ.
هذا كتابٌ يُقرأ على مهلٍ وبلا التزامٍ صارم بالترتيب؛ فطبيعتُه القائمة على الحكايات المتتابعة تتيح لك أن تدخل عالمه من أي ليلةٍ شئت، فتقرأ حكايةً في جلسة، ثم تعود إلى غيرها متى طاب لك. وأمتع ما فيه أن تتابع كيف تتوالد الحكايةُ من الحكاية، وكيف تُمسك شهرزادُ بخيط الشوق فلا تُفلته.
وعلى رحلة تجد نصّ «ألف ليلة وليلة» متاحًا للقراءة والبحث مجانًا، مع فهرسٍ يوصلك إلى مواضعه بسهولة. فاقرأه بعين الطفل المندهش أمام عجائبه، وبعين الناقد المتأمّل في حكمته وبنائه، وجالِس شهرزادَ في لياليها الألف، حيث لا تنتهي الحكاية إلا لتبدأ حكايةٌ أخرى.
النص الكامل بين يديك
ألف ليلة وليلة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن