عن الكتاب
في بغداد القرن الرابع الهجري، حيث تتزاحم حِلَقُ الفقهاء وتشتدّ المناظرة بين المذاهب، جلس إمام الحنفية ورئيسهم يستخرج من كتاب الله أحكامه آيةً آية. لم يكن يفسّر القرآن كلَّه، بل يتخيّر منه آيات الأحكام، فيقف عندها مفسّرًا وفقيهًا وأصوليًّا، يحرّر محلّ النزاع ويناظر المخالف ويحتجّ لمذهب أبي حنيفة وأصحابه بالحجة والبرهان. فخرج من ذلك أوسعُ ما كُتب في تفسير آيات الأحكام على المذهب الحنفي وأجمعُه وأدقُّه استدلالًا، كتابٌ صار عمدة الحنفية في بابه ومرجعًا لمن بعدهم على اختلاف مذاهبهم. إنه «أحكام القرآن» للإمام أبي بكرٍ الرازي الجصّاص.

هو أبو بكرٍ أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصّاص، إمام الحنفية ورئيسهم بالعراق في القرن الرابع الهجري. أصله من مدينة الرَّي، ثم رحل إلى بغداد فاستوطنها وأخذ العلم عن كبار مشايخ الحنفية بها، وعلى رأسهم أبو الحسن الكَرْخي شيخ المذهب في زمانه، فلازمه وبرع في الفقه والأصول حتى انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد شيخه. وقد لُقّب بالجصّاص نسبةً إلى عمله بالجصّ في مبتدأ أمره، فغلب اللقب على اسمه وعُرف به.
اشتُهر الجصّاص بالزهد والورع والتقشّف مع سعة العلم وقوة الحجة، حتى عُرض عليه منصب القضاء غير مرة فامتنع، إيثارًا للعلم والعبادة على المناصب والجاه. تخرّج به جماعةٌ من فقهاء الحنفية، وصار مرجع المذهب في العراق فتوًى وتدريسًا ومناظرة.
خلّف الجصّاص مصنّفاتٍ نفيسة شهدت له بالإمامة في الفقه وأصوله، أشهرها هذا الكتاب «أحكام القرآن»، و«الفصول في الأصول» الذي يُعدّ من أهمّ مدوّنات أصول الفقه عند الحنفية، مع شروحٍ على مختصرات أصحابه كمختصر الطحاوي ومختصر الكرخي. توفي ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة للهجرة، فكان خاتمة أئمة المذهب في عصره.
عاش الجصّاص في بغداد القرن الرابع، وهي يومئذٍ حاضرة الدنيا في العلم، تموج بمدارس الفقهاء وحِلَق المناظرة بين الحنفية والشافعية والمالكية وأهل الحديث. وكان ذلك عصر نضج المذاهب وتحرير أصولها وتدوين مسائلها، فاحتاج كلُّ مذهبٍ إلى من يبني فروعه على أدلّتها ويردّها إلى كتاب الله والسنّة. ومن رحم هذا التنافس العلمي نشأ فنُّ «أحكام القرآن» الذي يُفرد آياتِ الأحكام بالتفسير والاستنباط، ليكون سندًا للمذهب من كتاب الله مباشرة.
كان مقصد هذا الفن أن يجمع الفقيه ما في القرآن من آياتٍ يُستنبط منها حكمٌ شرعي، فيفسّرها ويبيّن ما فيها من الأحكام على أصول مذهبه، ويردّ على من خالفه في فهمها. وقد صنّف فيه أئمةٌ من مذاهب شتّى، فجاء كتاب الجصّاص ثمرةَ هذا الجهد على المذهب الحنفي، وأوسعَ ما كُتب فيه وأجمعَه.
ولذلك لم يكن كتاب الجصّاص تفسيرًا عامًّا للقرآن كلّه، بل عملًا مقصودًا للاحتجاج والفقه؛ ينافح فيه عن أصول أبي حنيفة وأصحابه، ويقيم الأدلة على اختياراتهم، ويناقش أدلة المخالفين بالحجة والبرهان، حتى صار الكتاب في المذهب الحنفي بمنزلة الديوان الذي يُرجع إليه في تقرير الأحكام من القرآن.
سار الجصّاص في كتابه على ترتيب سور المصحف، فيمرّ على السور سورةً سورة، لا يقف إلا عند الآيات التي تتضمّن حكمًا فقهيًّا، فيسوقها ويستخرج ما فيها من الأحكام، ثم يستطرد إلى ما يتّصل بها من مسائل الفقه والخلاف. فليس الكتاب تفسيرًا مستوعبًا لكل آية، بل انتقاءٌ لآيات الأحكام وبناءٌ للفقه عليها.
ومن أبرز خصائص منهجه المزجُ بين التفسير والفقه والأصول؛ فهو لا يكتفي ببيان معنى الآية، بل يحرّر محلّ النزاع، ويقسّم المسألة، ويناظر المخالف، ويحتجّ لمذهب الحنفية بالمعقول والمنقول. وكان أصوليًّا محرّرًا، فكثيرًا ما يعرّج على القواعد الأصولية، كدلالة العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والأمر والنهي، والمجمل والمبيَّن، ويطبّقها على الآية، فيلتقي في كتابه علمُ التفسير بعلم أصول الفقه في نسقٍ واحد.
ويميل الجصّاص إلى إعمال الرأي والقياس على طريقة أهل العراق، ويوسّع في المناقشة العقلية وردّ الحجج، حتى نبّه العلماء على أنه رُمي بشيءٍ من الاعتزال في بعض مسائل الأصول والاعتقاد، وهو ما ينبغي أن يقرأ القارئُ الكتابَ على بصيرةٍ منه، مع اتفاقهم على إمامته في الفقه وسعة علمه ودقّة استدلاله.
احتلّ «أحكام القرآن» للجصّاص مكانة الصدارة في بابه عند الحنفية، فهو عمدتهم في تفسير آيات الأحكام ومرجعهم في الاحتجاج للمذهب من القرآن. وقد أفاد منه من جاء بعده من المفسّرين والفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فنقلوا عنه وناقشوه، لما فيه من التحقيق وسعة النَّفَس في الاستدلال وطول الباع في المناظرة.
ويُقرن كتابه عادةً بنظائره في هذا الفن، فيتبيّن للقارئ بمقابلتها كيف استنبط كلُّ مذهبٍ أحكامه من الآيات نفسها: فهناك «أحكام القرآن» لأبي بكرٍ ابن العربي على المذهب المالكي، وما جُمع من «أحكام القرآن» للإمام الشافعي بعناية البيهقي، ثم «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي الذي توسّع في الفن غاية التوسّع. وكتاب الجصّاص بينها هو الممثّل الأكبر للمدرسة الحنفية.
وقد طُبع الكتاب مرارًا وتناوله الباحثون بالدراسة والتحقيق لمكانته في التفسير الفقهي وأصول الحنفية، ومن أشهر طبعاته طبعة دار إحياء التراث العربي في نحو خمسة أجزاء بعناية محمد الصادق قمحاوي، وهي المتداولة بين طلاب العلم.
يجمع الجصّاص في «أحكام القرآن» بين تفسير آية الحكم وتحرير مسألتها ومناظرة مخالفها، فهو تفسيرٌ وفقهٌ وأصولٌ في كتابٍ واحد.
أنسبُ ما يُقرأ به «أحكام القرآن» أن تتبع فيه ترتيب المصحف، فتفتح السورة التي تريد، وتقف عند آيات الأحكام فيها لتقرأ ما استنبطه الجصّاص من مسائل، وما ساقه من حجج ومناظرات في تقرير الحكم وردّ المخالف. وإن كنت باحثًا في مسألةٍ فقهية بعينها فاقصد موضعها من السورة التي وردت فيها آيتها.
وعلى رحلة تجد نصّ الكتاب كاملًا مرتّبًا على سوره وأجزائه كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي موضعٍ بسهولة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من أوائله لتقف على منهج الإمام في بناء الأحكام، أو اقصد الآية التي تريد حكمها، وتنقّل في «أحكام القرآن للجصاص» كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
أحكام القرآن للجصاص كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً